تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها . والدليل على ذلك أمور : الأول : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثبت عنه أنه قال : « إني لا أصافح النساء » الحديث . واللّه يقول :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به صلى اللّه عليه وسلّم ، والحديث المذكور قد قدمناه موضحا في سورة الحج في الكلام على النهي : عن لبس المعصفر . مطلقا في الإحرام ، وغيره للرجال . وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه . وكونه صلى اللّه عليه وسلّم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة ، ولا يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها ، لأن أخف أنواع اللمس المصافحة ، فإذا امتنع منها صلى اللّه عليه وسلّم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة ، دل ذلك على أنها لا تجوز ، وليس لأحد مخالفته صلى اللّه عليه وسلّم ، لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره . الأمر الثاني : هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب ، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة ، ولا شك أن مس البدن للبدن ، أقوى في إثارة الغريزة ، وأقوى داعيا إلى الفتنة من النظر بالعين ، وكل منصف يعلم صحة ذلك . الأمر الثالث : أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية ، لقلة تقوى اللّه في هذا الزمان وضياع الأمانة ، وعدم التورع عن الريبة ، وقد أخبرنا مرارا أن بعض الأزواج من العوام ، يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم ويسمون ذلك التقبيل الحرام بالإجماع سلاما ، فيقولون سلم عليها يعنون قبلها ، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب ، وأسبابها ومن أكبرها لمس الرجل شيئا من بدن الأجنبية ، والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما أوضحناه في غير هذا الموضع ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود :
سد الذرائع إلى المحرم * حتم كفتحها إلى المنحتم
قوله تعالى :
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ
[ 63 ] . أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس الذين يسألونه عن الساعة
إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ
ومعلوم أن إنما صيغة حصر . فمعنى الآية : أن الساعة لا يعلمها إلا اللّه وحده . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء واضحا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
[ لقمان : 34 ] الآية .