تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] الآية . ومنها قوله تعالى :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ
[ الأنبياء : 79 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع ، الذي كان يخطب عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما انتقل بالخطبة إلى المنبر ، وهي في صحيح البخاري وغيره . ومنها : ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ في مكة » وأمثال هذا كثيرة ، فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنة ، إنما يكون بإدراك يعلمه اللّه ، ونحن لا نعلمه . كما قال تعالى :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] ولو كان المراد بتسبيح الجمادات ، دلالتها على خالقها لكنا نفقهه ، كما هو معلوم وقد دلت عليه آيات كثيرة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وأن الضمير في قوله :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) [ الأحزاب : 72 ] راجع للفظ الإنسان مجردا عن إرادة المذكور منه الذي هو آدم : والمعنى : أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلوما جهولا : أي كثير الظلم والجهل ، والدليل على هذا أمران . أحدهما : قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلا به :
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 73 ) [ الأحزاب : 73 ] فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان ، هو المعذب والعياذ باللّه ، وهم المنافقون ، والمنافقات ، والمشركون ، والمشركات ، دون المؤمنين والمؤمنات . واللام في قوله : ليعذب : لام التعليل وهي متعلقة بقوله : وحملها الإنسان . الأمر الثاني : أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن ، وقد جاء فعلا في آية من كتاب اللّه ، وهي قوله تعالى :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
[ فاطر : 11 ] ، لأن الضمير في قوله : ولا ينقص من عمره : راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي . كما هو ظاهر ، وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى :
وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
( 61 ) [ الفرقان : 61 ] وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه : أي نصف درهم آخر كما ترى . وبعض من