والمقصود : أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه ، وبعض أهل العلم يقول :
إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها ، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا .
ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك ، حديث ابن عباس الذي قدمناه قال :
أردف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الفضل بن عباس رضي اللّه عنهما ، يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئا فوقف النبي صلى اللّه عليه وسلّم للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فطفق الفضل ينظر إليها ، وأعجبه حسنها فالتفت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده ، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ، فقالت :
يا رسول اللّه : إن فريضة اللّه في الحج على عباده ، أدركت أبي شيخا كبيرا . الحديث ، قالوا :
فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها .
وأجيب عن ذلك أيضا من وجهين :
الأول : الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث ، التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رآها كاشفة عنه ، وأقرها على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة ، وفي بعض روايات الحديث : أنها حسناء ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها ، وأنه صلى اللّه عليه وسلّم أقرها على ذلك ، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد ، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين . ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها . ومما يوضح هذا أن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى المرأة ، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله ، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل ، وهو لم يقل له : إنها كانت كاشفة عن وجهها ، واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدا لاحتمال أن يكون رأى وجهها ، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها ، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها .
فإن قيل : قوله إنها وضيئة ، وترتيبه على ذلك بالفاء ، قوله : فطفق الفضل ينظر إليها .
وقوله : وأعجبه حسنها ، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها ، وينظر إليه لإعجابه بحسنه .
فالجواب : أن تلك القرائن لا تستلزم استلزاما لا ينفك أنها كانت كاشفة ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رآها كذلك ، وأقرها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال ، مع أن جمال المرأة قد يعرف ، وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة وذلك لحسن قدها وقوامها ، وقد تعرف وضاءتها وحسنها
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 394
مساهمون: الشنقيطي
ص٣٩٤