أن عائشة رضي اللّه عنها كانت تقول : لما نزلت هذه الآية :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
أخذن أزرهنّ فشقّقنها من قبل الحواشي ، فاختمرن بها « 1 » . انتهى من صحيح البخاري .
وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث : قوله : فاختمرن : أي غطين وجوههن ، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر ، وهو التقنع . قال الفراء : كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار . انتهى محل الغرض من فتح الباري . وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
[ النور : 31 ] يقتضي ستر وجوههن ، وأنهن شققن أزرهن ، فاختمرن أي سترن وجوههن بها امتثالا لأمر اللّه في قوله تعالى :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
المقتضى ستر وجوههن ، وبهذا يتحقق المنصف : أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب اللّه تعالى ، وقد أثنت عائشة رضي اللّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن ، لامتثال أوامر اللّه في كتابه . ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
إلا من النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن ، واللّه جل وعلا يقول :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن . وقال ابن حجر في فتح الباري « 2 » :
ولابن أبي حاتم من طريق عبد اللّه بن عثمان بن خيثم عن صفية ما يوضح ذلك ، ولفظه :
ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت : إن نساء قريش لفضلاء ، ولكني واللّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب اللّه ولا إيمانا بالتنزيل ، لقد أنزلت سورة النور :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
[ النور : 31 ] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها ، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان . انتهى محل الغرض من فتح الباري . ومعنى معتجرات مختمرات كما جاء موضحا في رواية البخاري المذكورة آنفا ، فترى عائشة رضي اللّه عنها مع علمها ، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم ، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقا بكتاب اللّه ، ولا إيمانا بالتنزيل . وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى :
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
[ النور : 31 ] من تصديقهن بكتاب اللّه وإيمانهن بتنزيله ، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب اللّه وإيمان بتنزيله كما ترى ، فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة ، ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب ، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللّه في كتابه إيمانا بتنزيله ، ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث ، 4758 و 4759 .
( 2 ) كتاب التفسير حديث 4759 .