الحنابلة صيغة عموم ، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم ، أن خطاب الواحد لا يعم ، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره ، وإذا كان لا يشمله وضعا ، فلا يكون صيغة عموم . ولكن أهل هذا القول موافقون ، على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره ، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس .
أما القياس فظاهر ، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي . والنص كقوله صلى اللّه عليه وسلّم في مبايعة النساء : « إني لا أصافح النساء ، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة » « 1 » .
قالوا ومن أدلة ذلك حديث : « حكمي على الواحد حكمي على الجماعة » . قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات : اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة : لا يعرف له أصل بهذا اللفظ ، ولكن روى الترمذي وقال حسن صحيح .
والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان قوله صلى اللّه عليه وسلّم في مبايعة النساء « إني لا أصافح النساء » وساق الحديث كما ذكرناه ، وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس ، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس « حكمي على الواحد حكمي على الجماعة » وفي لفظ : « كحكمي على الجماعة » ليس له أصل بهذا اللفظ . كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي . وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف . وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه ، نعم يشهد له ما رواه الترمذي والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة ، فلفظ النسائي ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة ، ولفظ الترمذي « إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة » ، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما ، وقال ابن القاسم العبادي في شرح الورقات الكبير : حكمي على الواحد لا يعرف له أصل إلى آخره ، قريبا مما ذكرناه عنه . انتهى .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرا ، وهي صحابية من المبايعات ، ورفيقة أمها وهي أخت خديجة بنت خويلد .
وقيل : عمتها ، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد اللّه بن عمير التيمي ، تيم بن مرة .
وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله :
خطاب واحد لغير الحنبل * من غير رعي النص والقيس الجلي
انتهى محل الغرض منه .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أميمة بنت رقيقة : الترمذي في السير حديث 1597 ، والنسائي في البيعة ، باب بيعة النساء ، وابن ماجة في الجهاد حديث 2874 ، ومالك في البيعة حديث 2 ، وأحمد في المسند 6 / 357 .