وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام ، وإن كان لفظها خاصا بأزواجه صلى اللّه عليه وسلّم ، لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه ، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة ، كما رأيت إيضاحه قريبا .
ومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى :
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 60 ) [ النور : 60 ] ، لأن اللّه جل وعلا بين في هذه الآية الكريمة ، أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا : أي لا يطمعن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن ، بشرط كونهن غير متبرجات بزينة ، ثم إنه جل وعلا مع هذا كله قال :
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ
[ النور : 60 ] أي يستعففن عن وضع الثياب خير لهن ، أي واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج ، وكونهن غير متبرجات بزينة خير لهن .
وأظهر الأقوال في قوله : أن يضعن ثيابهن : أنه وضع ما يكون فوق الخمار ، والقميص من الجلابيب ، التي تكون فوق الخمار والثياب .
فقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة :
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ
[ النور : 60 ] دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح ، لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب .
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام ، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب ، علمت أن القرآن دل على الحجاب ، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة ، بأزواجه صلى اللّه عليه وسلّم ، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة وعدم التدنس بأنجاس الريبة ، فمن يحاول منع النساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم ، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، مريض القلب كما ترى .
واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب ، قد دلت على ذلك أيضا أحاديث نبوية ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إياكم والدخول على النساء ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أفرأيت الحمو ؟ قال : الحمو الموت » « 1 » أخرج البخاري
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح حديث 5232 ، ومسلم في السلام حديث 20 ، والترمذي في الرضاع حديث 1171 ، والدارمي في الاستئذان ، باب في النهي في الدخول على النساء ، وأحمد في -