فقوله تعالى :
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
لو لم يكن علة لقوله تعالى :
فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
لكان الكلام معيبا غير منتظم عند الفطن العارف .
وإذا علمت أن قوله تعالى :
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
هو علة قوله :
فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
وعلمت أن حكم العلة عام .
فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها ، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود ، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته ، وإذا كان حكم هذه الآية عاما ، بدلالة القرينة القرآنية .
فاعلم أن الحجاب واجب ، بدلالة القرآن على جميع النساء .
واعلم أنا في هذا المبحث نريد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم ، ثم الأدلة من السنة ، ثم نناقش أدلة الطرفين ، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب ، على غير أزواجه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقد ذكرنا آنفا أن قوله :
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
[ الأحزاب : 53 ] الآية قرينة على عموم حكم آية الحجاب .
ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها ، قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
[ الأحزاب : 59 ] ، فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى : يدنين عليهن من جلابيبهن :
أنهن يسترن بها جميع وجوههن ، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها ، وممن قال به ابن مسعود ، وابن عباس ، وعبيدة السلماني وغيرهم .
فإن قيل : لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى :
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة ، ولم يرد نص من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع على استلزامه ذلك ، وقول بعض المفسرين : إنه يستلزمه معارض بقول بعضهم : إنه لا يستلزمه ، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه .
فالجواب : أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على قوله تعالى فيها :
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها ، والقرينة المذكورة : هي قوله تعالى :
قُلْ لِأَزْواجِكَ
ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن ، لا نزاع فيه بين المسلمين . فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى .
ومن الأدلة على ذلك أيضا : هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
[ النور : 31 ] ، من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى إلا ما ظهر منها الملاءة فوق الثياب ، وأنه لا يصح تفسير إلا ما ظهر منها بالوجه