تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
( 22 ) [ الشورى : 22 ] . قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
[ 53 ] . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ، أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول ، وذكرنا له أمثلة في الترجمة ، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة ، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، ومن أمثلته قول كثير من الناس : إن آية الحجاب أعني قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
خاصة بأزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى :
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين ، إن غير أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن . وقد تقرر في الأصول : أن العلة قد تعمم معلولها ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله :
وقد تخصص وقد تعمم * لأصلها لكنها لا تخرم
انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة . وبما ذكرنا تعلم أن هذه الآية الكريمة ، الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء ، لا خاص بأزواجه صلى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان أصل اللفظ خاصا بهن ، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه ، ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى :
ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
هو علة قوله تعالى :
فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه ، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته : هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبا عند العارفين ، وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء ، والتنبيه بقوله :
دلالة الإيماء والتنبيه * في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن * لغير علة يعبه من فطن
وعرف أيضا الإيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله :
والثالث الإيما اقتران الوصف * بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النطير * قرانه لغيرها يضير