تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
أنه لم ينسخ ، ولم يعلم أن أحدا من الصحابة أنكر عليه ذلك ، ولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل به أهل هذا القول . وأما الذين قالوا : بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد ، فقد رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ، الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد ، والعمل بالمتأخر أولى . والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور ، كما يدل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلّم « قد جعل اللّه لهن سبيلا » « 1 » فهو دليل على أن حديث عبادة ، هو أول نص ورد في حد الزنا كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
( 15 ) [ النساء : 15 ] قالوا : ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرا عنده « والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللّه » « 2 » وهذا قسم منه صلى اللّه عليه وسلّم أنّه يقضي بينهما بكتاب اللّه ، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب اللّه « واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها » « 3 » قالوا : إن قوله « فإن اعترفت » شرط وقوله « فارجمها » جزاء هذا الشرط ، فدل الربط بين الشرط ، وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده ، وأن ذلك قضاء بكتاب اللّه تعالى . وهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا : هو رجمها فقط فربط هذا الجزاء بهذا الشرط أقسم النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قضاء بكتاب اللّه وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا . وهذا الدليل أيضا قوي جدا لأن فيه إقسامه صلى اللّه عليه وسلّم بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم ، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين : إما أن يكون صلى اللّه عليه وسلّم اقتصر على قوله فارجمها أو يكون قال مع ذلك فاجلدها ، وترك الراوي الجلد ، فإن كان قد اقتصر على الرجم ، فذلك يدل على نسخ الجلد ، لأنه جعل جزاء الاعتراف الرجم وحده ، لأن ربط الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية لا دلالة سكوت ، وإن كان قال مع الرجم واجلدها ، وحذف الراوي الجلد ، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع ، لأن حذف بعض جزاء الشرط مخل بالمعنى موهم غير المراد ، والحذف إن كان كذلك فهو ممنوع ، ولا يجوز للراوي أن يفعله والراوي عدل فلن يفعله . وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ
[ الأنعام : 145 ] الآية . أنه لا تعارض بين نصين ، مع اختلاف زمنهما كما هو التحقيق .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 31 | الشنقيطي