والثاني : لا يستحب ولا يكره ، بل هو إلى خيرة الإمام .
والثالث : وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب ، وإن ثبت بالإقرار فلا ، ليمكنها الهرب إن رجعت . فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية ، وكذا لماعز في رواية ، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له ، أن المراد حفيرة عظيمة أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة .
وأما من قال : لا يحفر فاحتج برواية من روى « فما أوثقناه ، ولا حفرنا له ، وهذا المذهب ضعيف ، لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز .
وأما من قال : بالتخيير فظاهر وأما من فرق بين الرجل والمرأة ، فيحمل رواية الحفر لماعز ، على أنه لبيان الجواز ، وهذا تأويل ضعيف ، ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا ، وقوله جعل يجنأ عليها ، ولو حفر لهما لم يجنأ عليها .
واحتجوا أيضا بقوله في حديث ماعز : فلما أذلقته الحجارة هرب ، وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة واللّه أعلم . انتهى كلام النووي . وقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة ، وبين حججهم ، وناقشها ، وقد ذكر في كلامه ، أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة . والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل ، وأنه لو ترك الحفر لهما معا فلا بأس . قال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي : ويحفر لها في الرجم لا له ، وقال شارحه في تبيين الحقائق : ولا بأس بترك الحفر لهما ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك ا ه . وقال ابن قدامة في المغني في الفقه الحنبلي : وإن كان الزاني رجلا أقيم قائما ، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له ، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يحفر لماعز .
قال أبو سعيد : « لما أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم برجم ماعز ، خرجنا به إلى البقيع فو اللّه ما حفرنا له ، ولا أوثقناه ، ولكنه قام لنا » رواه أبو داود « 1 » ، ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه ، فوجب ألا تثبت ، وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضا ، وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف ، وذكر في المحرر أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها ، وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر .
قال أبو الخطاب : وهذا أصح عندي ، وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكرة ، وبريدة « أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة » رواه أبو داود « 2 » ، ولأنه أستر لها ، ولا حاجة لتمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة ، فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف
هامش
( 1 ) كتاب الحدود حديث 4431 .
( 2 ) كتاب الحدود حديث 4442 و 4443 .