بسم الله الرحمن الرحيم
سورة العنكبوت
قوله تعالى :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ 1 - 2 ] .
قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة مستوفى في أول سورة هود ، والاستفهام في قوله : أحسب الناس : للإنكار .
والمعنى : أن الناس لا يتركون دون فتنة : أي ابتلاء واختبار ، لأجل قولهم : آمنا ، بل إذا قالوا آمنا فتنوا : أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء ، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمنا في غير الصادق .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبنيا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
( 214 ) [ البقرة : 214 ] وقوله :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
( 142 ) [ آل عمران : 142 ] وقوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
( 31 ) [ محمد : 31 ] وقوله تعالى :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ آل عمران : 179 ] الآية . وقوله تعالى :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
( 154 ) [ آل عمران : 154 ] وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
( 16 ) [ التوبة : 16 ] إلى غير ذلك من الآيات ، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنا :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
[ العنكبوت : 3 ] الآية .
وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يبتلى به المؤمنون على قدر ما عندهم من الإيمان ، كقوله صلى اللّه عليه وسلّم « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل