تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
يحمل على تحصيله ليحصل بعد حصوله ، قالوا : والعلة الغائبة للالتقاط في قوله تعالى : فالتقطه هي المحبة والنفع والتبني : أي اتخاذهم موسى ولدا ، كما صرحوا بأن هذا هو الباعث لهم على التقاطه وتربيته ، في قوله تعالى عنهم :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
[ القصص : 9 ] ، فهذه العلة الغائبة عندهم هي التي حملتهم على التقاطه ، لتحصل لهم هذه العلة بعد الالتقاط . قالوا : ولما كان الحاصل في نفس الأمر بعد الالتقاط ، هو ضد ما رجوه وأملوه ، وهو العداوة والحزن ، شبهت العداوة والحزن الحاصلان بالالتقاط بالمحبة والتبني والنفع ، التي هي علة الالتقاط الغائية بجامع الترتب في كل منهما ، فالعلة الغائية : تترتب على معلولها دائما ترتب رجاء للحصول ، فتبنيهم لموسى ومحبته كانوا يرجعون ترتبهما على التقاطهم له ، ولما كان المترتب في نفس الأمر على التقاطهم له ، هو كونه عدوا لهم وحزنا ، صار هذا الترتب الفعلي شبيها بالترتب الرجائي ، فاستعيرت اللام الدالة على العلة الغائية المشعرة بالترتب الرجائي للترتب الحصولي الفعلي الذي لا رجاء فيه . وإيضاحه : أن ترتب الحزن والعداوة على الالتقاط أشبه ترتب المحبة والتبني على الالتقاط ، فأطلقت لام العلة الغائية في الحزن والعداوة ، لمشابهتهما للتبني والمحبة في الترتب ، كما أطلق لفظ الأسد على الرجل الشجاع ، لمشابهتهما في الشجاعة . وبعض البلاغيين يقول : في هذا جرت الاستعارة الأصلية أولا بين المحبة والتبني ، وبين العداوة والحزن اللذين حصولهما هو المجرور ، فكانت الاستعارة في اللام تبعا للاستعارة في المجرور ، لأن اللام لا تستقل فيكون ما اعتبر فيها تبعا للمجرور ، الذي هو متعلق معنى الحرف ، وبعضهم يقول : فجرت الاستعارة أولا في العلية والغرضية ، وتبعيتها في اللام ، وهناك مناقشات في التبعية في معنى الحرف تركناها ، لأن غرضنا بيان مرادهم بالاستعارة التبعية في هذه الآية بإيجاز . وإذا علمت مرادهم بما ذكر ، فاعلم أن التحقيق إن شاء اللّه هو ما قدمنا ، وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة [ منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ] أن التحقيق : أن القرآن لا مجاز فيه ، وأوضحنا ذلك بالأدلة الواضحة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ
( 8 ) [ القصص : 8 ] أي مرتكبين الخطيئة التي هي الذنب العظيم كقوله تعالى :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] وقوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
[ البقرة : 81 ] الآية . ومن إطلاق الخاطىء على المذنب العاصي . قوله تعالى :
وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ
( 37 ) [ الحاقة : 36 - 37 ] وقوله تعالى :
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ
( 16 )
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 302 | الشنقيطي