تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
( 48 ) [ الفرقان : 48 ] كما روي عن ابن عباس وابن مسعود ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، وغير واحد ، خلافا لمن قال : إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي عن عطاء الخراساني وصدر به القرطبي ، وصدر الزمخشري بما يقرب منه .
وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في : صرفناه ، عائد إلى ماء المطر .
فاعلم أن المعنى : ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطرا كثيرا في بعض السنين على بعض البلاد ، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد ، فيكثر الخصب في بعضها ، والجدب في بعضها الآخر . وقوله : ليذكروا أي صرفناه بينهم ، لأجل أن يتذكروا : أي يتذكر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر ، نعمة اللّه عليهم ، فيشكروا له ، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء ، فيبادروا بالتوبة إلى اللّه جل وعلا ، ليرحمهم ويسقيهم . وقوله :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
( 50 ) أي كفرا لنعمة من أنزل عليهم المطر ، وذلك بقولهم : مطرنا بنوء كذا .
وهذا المعنى دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جل وعلا في سورة الواقعة في قوله تعالى :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) [ الواقعة : 82 ] فقوله : رزقكم : أي المطر ، كما قال تعالى :
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً
[ غافر : 13 ] وقوله :
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) أي بقولكم : مطرنا بنوء كذا ، ويزيد هذا إيضاحا الحديث الثابت في صحيح مسلم ، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى ، وهو أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل :
« أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا يفضل اللّه ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكوب . وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب » .
وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
( 50 ) يدخل فيه من قال مطرنا بنوء كذا . ومن قال مطرنا بالبخار ، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء ، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل ، وأن المطر منه كما تقدم إيضاحه فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
قوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 )
[ 51 - 52 ] .
المعنى : لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة ، وبعثنا في كل قرية نذيرا يتولى مشقة إنذارها عنك : أي ولكننا اصطفيناك ، وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس ، تعظيما لشأنك ، ورفعا من منزلتك ، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة ولا تطع