فيه معنى النفي .
والمعنى : أن من أضله اللّه فاتخذ إلهه هواه ، لا تكون أنت عليه وكيلا أي حفيظا تهديه ، وتصرف عنه الضلال الذي قدره اللّه عليه ، لأن الهدى بيد اللّه وحده لا بيدك ، والذي عليك إنما هو البلاغ ، وقد بلغت .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] الآية ، وقوله تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
[ النحل : 37 ] الآية . وقوله تعالى :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
( 19 ) [ الزمر : 19 ] ، وقوله تعالى :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ يونس : 99 - 100 ] الآية ، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفا :
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] الآية ، وقوله تعالى في آية الجاثية المذكورة آنفا أيضا
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
[ الجاثية : 23 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( 44 )
[ 44 ] .
أم في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى بل الإضرابية ، واستفهام الإنكار معا ، والإضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي :
والمعنى : بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون : أي لا تعتقد ذلك ولا تظنه ، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه : أي لا يدركونه بعقولهم إن هم إلا كالأنعام أي ما هم إلا كالأنعام ، التي هي الإبل والبقر والغنم في عدم سماع الحق ، وإدراكه ، بل هم أضل من الأنعام : أي أبعد عن فهم الحق ، وإدراكه .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعلوا أضل من الأنعام ؟
قلت : لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها ، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها ، وتجتنب ما يضرها ، وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي . ا ه منه .
وإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، فاعلم أن اللّه بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأعراف :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها