تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وقوله :
هذا عَذْبٌ فُراتٌ
يعني به ماء الآبار ، والأنهار والعيون في أقطار الدنيا . وقوله :
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
أي البحر الملح ، كالبحر المحيط ، وغيره من البحار التي هي ملح أجاج ، وعلى هذا التفسير فلا إشكال . وأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط ، فالمعنى : أنه يوجد في بعض المواضع اختلاط الماء الملح والماء العذب في مجرى واحد ، ولا يختلط أحدهما بالآخر ، بل يكون بينهما حاجز من قدرة اللّه تعالى ، وهذا محقق الوجود في بعض البلاد ، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس ، وقد زرت مدينة سانلويس عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية ، واغتسلت مرة في نهر السنغال ، ومرة في المحيط ، ولم آت محل اختلاطهما ، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقاة أنه جاء إلى محل اختلاطهما ، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبا فراتا ، وبالأخرى ملحا أجاجا ، والجميع في مجرى واحد ، لا يختلط أحدهما بالآخر . فسبحانه جل وعلا ما أعظمه ، وما أكمل قدرته . وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة فاطر :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
[ فاطر : 12 ] وقوله تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
( 20 ) [ الرحمن : 19 - 20 ] أي لا يبغي أحدهما على الآخر فيمتزج به ، وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان ، وسورة الرحمن قد بين تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجر به بينهما ، وذلك في قوله جل وعلا :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 61 ) [ النمل : 61 ] وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض ، الفاصل بين الماء العذب ، والماء الملح على التفسير الأول . وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة اللّه غير مرئي للبشر ، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا :
وَحِجْراً مَحْجُوراً ،
( 53 ) والظاهر أن قوله هنا : حجرا أي منعا ، وحراما قدريا وأن محجورا توكيد له أي منعا شديدا للاختلاط بينهما ، وقوله :
هذا عَذْبٌ
صفة مشبهة من قولهم : عذب الماء بالضم فهو عذب . وقوله فرات صفة مشبهة أيضا ، من فرت الماء بالضم ، فهو فرات ، إذا كان شديد العذوبة . وقوله : وهذا ملح ، صفة مشبهة أيضا من قولهم : ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح . قال الجوهري في صحاحه : ولا يقال مالح إلا في لغة ردية ا ه . وقد أجاز ذلك بعضهم واستدل له بقول القائل :
ولو تفلت في البحر والبحر مالح * لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 228 | الشنقيطي