لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم ، والثناء عليهم . يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال ، لأن ثناء اللّه على المتصف بها يدل على أن من أخل بها يستحق الذم الذي هو ضد الثناء ، ويوضح ذلك أن اللّه نهى عن الإخلال بها نهيا جازما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ المنافقون : 9 ] وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
[ الجمعة : 9 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : اعلم أنه على قراءة ابن عامر ، وشعبة : يسبح بفتح الباء يحسن الوقف على قوله : بالآصال ، وأما على قراءة الجمهور بسبح بالكسر ، فلا ينبغي الوقف على قوله : بالآصال ، لأن فاعل يسبح رجال ، والوقف دون الفاعل لا ينبغي كما لا يخفى .
« المسألة الثانية : اعلم أن الضمير المؤنث في قوله
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها
راجع إلى المساجد المعبّر عنها بالبيوت في قوله :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
[ النور : 36 ] والتحقيق : أن البيوت المذكورة ، هي المساجد .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ
يدل بمفهومه على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد ، وقد يظهر للناظر أن مفهوم قوله : رجال مفهوم لقب ، والتحقيق عند الأصوليين أنه لا يحتج به .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : لا شك أن مفهوم لفظ الرجال ، مفهوم لقب بالنظر إلى مجرد لفظه ، وأن مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع . ولكن مفهوم الرجال هنا معتبر ، وليس مفهوم لقب على التحقيق ، وذلك لأن لفظ الرجال ، وإن كان بالنظر إلى مجرده اسم جنس جامد وهو لقب بلا نزاع ، فإنه يستلزم من صفات الذكورة ما هو مناسب لإناطة الحكم به ، والفرق بينه وبين النساء ، لأنّ الرجال لا تخشى منهم الفتنة ، وليسوا بعورة بخلاف النساء ، ومعلوم أن وصف الذكورة وصف صالح لإناطة الحكم به الذي هو التسبيح في المساجد ، والخروج إليها دون وصف الأنوثة .
والحاصل : أن لفظ الرجال في الآية ، وإن كان في الاصطلاح لقبا فإنما يشتمل عليه من أوصاف الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإناث ، يقتضي اعتبار مفهوم المخالفة في لفظ رجال ، فهو في الحقيقة مفهوم صفة لا مفهوم لقب ، لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإناطة الحكم به ، والفرق في ذلك بين الرجال والنساء كما لا يخفى .