مما رموها به في مواضع من كتابه كقوله تعالى :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
إلى قوله :
وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) [ مريم : 29 - 33 ] فكلام عيسى ، وهو رضيع ببراءتها ، يدلّ على أنها بريئة . وقد أوضح اللّه براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى ، من غير زوج ، وذلك في قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا
[ مريم : 16 - 22 ] إلى آخر الآيات .
ومن الآيات التي بين اللّه فيها براءتها قوله تعالى في الأنبياء :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 91 ] وقوله تعالى في التحريم :
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 )
[ التحريم : 12 ] وقوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] .
فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف وبراءته وقذف مريم وبراءتها من أمثال من قبلنا فهي مما يبيّن بعض ما دل عليه قوله :
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
.
والآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا وكونه من نوع أمثال من قبلنا واضح ، لأن كلا من عائشة ، ومريم ، ويوسف رمي بما لا يليق ، وكلّ منهم برأه اللّه ، وقصة كلّ منهم عجيبة ، ولذا أطلق عليها اسم المثل في قوله :
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ .
( 34 )
قال الزمخشري : وموعظة ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[ النور : 2 ] لولا إذ سمعتموه ، ولولا إذ سمعتموه . يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدا . ا ه كلام الزمخشري . والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها .
ونظيره في القرآن قوله تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ
[ فاطر : 18 ] وقوله تعالى :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
( 45 ) [ النازعات : 45 ] فخصّ الأنذار بمن ذكر في الآيات ، لأنّهم هم المنتفعون به مع أنه صلى اللّه عليه وسلّم في الحقيقة منذر لجميع الناس كما قال تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) [ الفرقان : 1 ] ونظيره أيضا قوله تعالى :
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
( 45 ) [ ق : 45 ] ونحوها من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وشعبة