[ النساء : 130 ] الآية . والظاهر أن المتزوج الذي وعد اللّه بالغنى ، هو الذي يريد بتزويجه الإعانة على طاعة اللّه بغض البصر ، وحفظ الفرج كما بيّنه النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج » « 1 » الحديث ، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة اللّه ، بغض البصر ، وحفظ الفرج فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة اللّه بذلك .
وقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد اللّه بالرزق من أطاعه سبحانه جل وعلا ما أكرمه فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة ، وما قاله أهل الظاهر من أنّ هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله ، لأن قوله
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ النور : 32 ] بعد قوله
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
[ النور : 32 ] يدل على وصف العبيد بالفقر والغنى ، ولا يطلق الغني إلا على من يملك المال الذي به صار غنيا ، ووجه قوي ولا ينافي أن لسيّده ، أن ينتزع منهم ذلك المال الذي هو ملك له . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ 33 ] .
هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة ، هو المذكور في قوله :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ
( 30 ) [ النور : 30 ] وقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
( 32 ) [ الإسراء : 32 ] ونحو ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ 33 ] .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 33 ) قيل غفور لهن . وقيل غفور لهم . وقيل غفور لهنّ ولهم .
وأظهرها : أن المعنى غفور لهن لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه ، بل يغفره اللّه له لعذره بالإكراه كما يوضحه قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
[ النحل : 106 ] الآية ، ويؤيّده قراءة ابن مسعود ، وجابر بن عبد اللّه ، وابن جبير ، « فإن اللّه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم » . ذكره عنه القرطبي ، وذكره الزمخشري عن ابن عباس رضي اللّه عنهم جميعا .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة شاذة ، وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادا بها لقراءة سبعيّة كما هنا ، فزيادة لفظة لهن في قراءة من ذكرنا
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في النكاح حديث 5066 ، ومسلم في النكاح حديث 1 و 2 و 3 و 4 ، وأبو داود في النكاح حديث 2046 ، والترمذي في النكاح حديث 1081 ، والنسائي في النكاح . باب الحث على النكاح ، وابن ماجة في النكاح حديث 1845 .