استشهاد بقراءة شاذة لبيان بقراءة غير شاذة أن الموعود بالمغفرة والرحمة ، هو المعذور بالإكراه دون المكره ، لأنه غير معذور في فعله القبيح ، وذلك البيان المذكور بقوله :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
[ النحل : 106 ] .
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة : فإن قلت لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن ، لأن المكرهة على الزّنى ، بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة .
قلت : لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل ، أو بما يخاف منه التلف ، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره ، حتى يسلم من الإثم ، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة . انتهى منه .
والذي يظهر أنه لا حاجة إليه لأن إسقاط المؤاخذة بالإكراه يصدق عليه أنه غفران ورحمة من اللّه بعبده . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 34 )
[ 34 ] .
ذكر اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أنزل إلينا على لسان نبيّه صلى اللّه عليه وسلّم آيات مبينات ، ويدخل فيها دخولا أوليا الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة ، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود ، ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 1 ) [ النور : 1 ] ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة ، داخلة في قوله تعالى هنا :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
الآية .
وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
معناه : أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون : أي تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي ، والمواعظ ، ويدّل لذلك قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 1 ) [ النور : 1 ] فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها ، أن يتذكر الناس ، ويتعظوا بما فيها ، ويدل لذلك عموم قوله تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 29 ) [ ص : 29 ] وقوله تعالى :
المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
( 2 ) [ الأعراف : 1 - 2 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
معطوف على آيات : أي أنزلنا إليكم آيات ، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم .
قال أبو حيان في البحر المحيط : ومثلا معطوف على آيات ، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم : أي قصّة غريبة من قصصهم كقصّة يوسف ، ومريم في براءتهما .