تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللّفظ فيه محتملا للأمرين : إما لكونه مشتركا في اللغة ، كلفظ :
قَسْوَرَةٍ
[ المدثر : 51 ] الذي يراد به الرامي ، ويراد به الأسد . ولفظ :
عَسْعَسَ
[ التكوير : 17 ] الذي يراد به إقبال الليل وإدباره . وإما لكونه متواطئا في الأصل ؛ لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشخصين ، كالضمائر في قوله :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 )
[ النجم : 8 ] وكلفظ الفجر والشفع والوتر وليال عشر ، وأشباه ذلك . فمثل هذا : يجوز أن يراد كلّ المعاني التي قالها السلف ، وقد لا يجوز ذلك . فالأول : إما لكون الآية نزلت مرتين : فأريد بها هذا تارة ، وهذا تارة . وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معناه . وإما لكون اللفظ متواطئا ، فيكون عامّا إذا لم يكن لمخصصه موجب . فهذا النوع إذ صحّ فيه القولان كان من الصّنف الثاني . ومن الأقوال الموجودة عنهم - ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبّروا عن المعاني بألفاظ متقاربة ، كما إذا فسر بعضهم :
تُبْسَلَ
[ الأنعام : 70 ] ب ( تحبس ) وبعضهم ب ( ترتهن ) لأنّ كلا منهما قريب من الآخر « 1 » . ثم قال : فصل : والاختلاف في التفسير على نوعين : منه ما مستنده النقل فقط ، ومنه ما يعلم بغير ذلك . والمنقول : إمّا عن المعصوم أو غيره ، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ، ومنه ما لا يمكن ذلك ؛ وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامّته ممّا لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته : وذلك : كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه ، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، وفي قدر سفينة نوح وخشبها ، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ، ونحو ذلك . فهذه الأمور طريق العلم بها النقل ؛ فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ، وما لا بأن نقل عن أهل الكتب ككعب « 2 » ووهب « 3 » - وقف عن تصديقه وتكذيبه ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا حدّثكم أهل
هامش
( 1 ) قال في معجم مقاييس اللغة 1 / 248 : « الباء والسين واللام أصل واحد تتقارب فروعه ، وهو المنع والحبس » ا ه . وانظر المفردات للراغب ص 46 - 47 ، وأساس البلاغة ص 22 . ( 2 ) هو كعب بن ماتع الحميري اليماني ، العلامة الحبر ، الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر - رضي اللّه تعالى عنه - فجالس أصحاب النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ، ويحفظ عجائب ويأخذ السنن . انظر سير أعلام النبلاء 3 / 489 - 494 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 49 . ( 3 ) هو وهب بن كامل بن سيج بن ذي كبار ، وهو الأسوار الإمام ، العلامة الأخباري القصصي ، اليماني ، -
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 439 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي