تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
ومن التابعين من تلقّى جميع التفسير عن الصحابة ، وربما تكلّموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال . والخلاف بين السلف في التفسير قليل ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ؛ وذلك صنفان : أحدهما : أن يعبّر [ كلّ ] « 1 » واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ، تدلّ على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر ، مع اتحاد المسمّى ، كتفسيرهم
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
بعض : بالقرآن أي : اتباعه ، وبعض : بالإسلام ، فالقولان متّفقان ، لأنّ دين الإسلام هو اتباع القرآن ؛ ولكن كلّ منهما نبّه على وصف غير الوصف الآخر ، كما أنّ لفظ :
الصِّراطَ
يشعر بوصف ثالث . وكذلك قول من قال : هو السنة والجماعة . وقول من قال : هو طريق العبوديّة ، وقول من قال : هو طاعة اللّه ورسوله . وأمثال ذلك . فهؤلاء كلّهم أشاروا إلى ذات واحدة ، لكن وصفها كلّ منهم بصفة من صفاتها . الثاني : أن يذكر كلّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه ، على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع ، لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ؛ مثاله ما نقل في قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا
[ فاطر : 32 ] ، فمعلوم : أنّ الظالم لنفسه يتناول المضيّع للواجبات والمنتهك للحرمات ، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرّمات ، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرّب بالحسنات مع الواجبات ؛ فالمقتصدون أصحاب اليمين ؛ والسابقون السابقون أولئك المقربون . ثمّ إنّ كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات ، كقول القائل : السابق الذي يصلّي أوّل الوقت ، والمقتصد الذي يصلّي في أثنائه ، والظالم لنفسه الذي يؤخّر العصر إلى الاصفرار . أو يقول : السابق المحسن بالصّدقة مع الزكاة ، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط ، والظالم مانع الزكاة « 2 » . قال : وهذان الصنفان اللّذان ذكرناهما في تنوّع التفسير ؛ تارة لتنوّع الأسماء والصفات ، وتارة لذكر بعض أنواع المسمّى ، هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظنّ أنه مختلف .
هامش
( 1 ) ما بين القوسين من مقدمة في أصول التفسير ص 22 . ( 2 ) انظر شرح هذه الآية ، وتفصيل أقوال العلماء في التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي ص 71 - 72 بتحقيقي .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 438 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي