تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
فالذين أخطئوا فيهما : مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة ، وعمدوا إلى القرآن فتأوّلوه على رأيهم ، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين ؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم ؛ وقد صنّفوا تفاسير على أصول مذهبهم ، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ ، والجبائي ، وعبد الجبار ، والرمانيّ ، والزمخشريّ ، وأمثالهم . ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة ، يدسّ البدع في كلامه ، وأكثر الناس لا يعلمون ، كصاحب الكشاف ونحوه ، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنّة كثير من تفاسيرهم الباطلة . وتفسير ابن عطية « 1 » : وأمثاله أتبع للسنّة ، وأسلم من البدعة ، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن ، فإنّه كثيرا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبريّ - وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرا - ، ثم أنّه يدع ما ينقله عن السلف ، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين ، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام ، الذين قرّروا أصولهم بطرق من جنس ما قرّرت به المعتزلة أصولهم ، وإن كانوا أقرب إلى السنّة من المعتزلة ؛ لكن ينبغي أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، فإنّ الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير ، وجاء قوم فسّروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه ؛ وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين ، صار مشاركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا . وفي الجملة : من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك ، بل مبتدعا ؛ لأنّهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه ، كما أنّهم أعلم بالحقّ الذي بعث اللّه به رسوله . وأما الذين أخطئوا في الدليل لا المدلول : فمثل كثير من الصوفيّة والوعاظ والفقهاء ، يفسّرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها ؛ لكن القرآن لا يدل عليها ؛ مثل كثير مما ذكره السّلمي في الحقائق ؛ فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأوّل . انتهى كلام ابن تيمية ملخصا ، وهو نفيس جدا . وقال الزركشيّ في البرهان « 2 » :
هامش
( 1 ) هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي المغربي الغرناطي الحافظ القاضي . توفي بالرقة سنة ست وأربعين وخمسمائة من الهجرة . انظر منهجه في تفسيره وطريقته فيه : في التفسير والمفسرون 1 / 239 - 242 . وتفسيره مطبوع متداول ، واسمه : « المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز » . ( 2 ) البرهان للزركشي 2 / 156 - 164 .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 442 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي