تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
كاختلافهم في معنى حروف الهجاء ، يرجّح قول من قال : إنها قسم « 1 » . وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه ، فيؤمن بمراد اللّه منها ، ولا يتهجّم على تعيينه ، وينزله منزلة المجمل قبل تفصيله والمتشابه قبل تبيينه . ومن شرطه : صحة المقصد فيما يقول ليلقى التّسديد ، فقد قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] ، وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا ، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسّل به إلى غرض يصدّه عن صواب قصده ، ويفسد عليه صحة عمله . وتمام هذه الشرائط : أن يكون ممتلئا من عدّة الإعراب ، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام ، فإنّه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان ، إما حقيقة أو مجازا ، فتأويله تعطيله . وقد رأيت بعضهم يفسّر قوله تعالى
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
[ الأنعام : 91 ] : إنه ملازمة قول اللّه ، ولم يدر الغبيّ أنّ هذه جملة حذف منها الخبر ، والتقدير : اللّه أنزله . انتهى كلام أبي طالب . وقال ابن تيمية في كتاب ألّفه في هذا النوع « 2 » : « يجب أن يعلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيّن لأصحابه معاني القرآن ، كما بيّن لهم ألفاظه ، فقوله تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] يتناول هذا وهذا « 3 » . وقد قال أبو عبد الرحمن السّلمي « 4 » : حدّثنا الّذين كانوا يقرءون القرآن كعثمان بن
هامش
( 1 ) في حروف الهجاء أقوال كثيرة ، والقول بأنها قسم ضعيف . وقد سبق تفصيل ذلك . ( 2 ) هو مقدمة في أصول التفسير ، انظرها ص 18 - 23 بتحقيقنا . وقد أفاد السيوطي من هذه الرسالة كثيرا في هذا المبحث ، كما أشرت إلى هذا في المقدمة . ( 3 ) قال البغوي في تفسيره 3 / 70 : « أراد بالذكر : « الوحي ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبينا للوحي ، وبيان الكتاب يطلب من السنة » ا ه . وقال ابن عطية في المحرر الوجيز 3 / 395 : « وقوله :لِتُبَيِّنَيحتمل أن يريد : لتبيّن بسردك نص القرآن ما نزل . ويحتمل أن يريد لتبيّن بتفسيرك المجمل ، وشرحك ما أشكل مما نزل ، فيدخل في هذا ما بيّنته السنّة من أمر الشريعة ، وهذا قول مجاهد ، ا ه . وانظر روح المعاني 7 / 105 ، وتفسير الطبري 7 / 589 ، وتفسير ابن كثير 2 / 571 . ( 4 ) هو الإمام العلم ، مقرئ الكوفة ، عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة الكوفي ، من أولاد الصحابة ، مولده في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 4 / 267 - 271 ، والحلية 4 / 191 - 195 ، وتاريخ بغداد 9 / 430 .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 436 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي