تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل : فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، فإنّ التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين ؛ مثل تفسير عبد الرزاق « 1 » ، والفريابيّ ، ووكيع وعبد بن حميد ، وإسحاق وأمثالهم : أحدهما : قوم اعتقدوا معاني ، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها . والثاني : قوم فسّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب ، من غير نظر إلى المتكلّم بالقرآن والمنزّل عليه والمخاطب به . فالأولون : راعوا المعنى الّذي رأوه ، من غير نظر إلى ما تستحقّه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان . والآخرون : راعوا مجرد اللفظ ، وما يجوز أن يريد به العربيّ ، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلّم وسياق الكلام . ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة ، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم ، كما أنّ الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسّروا به القرآن ، كما يغلط في ذلك الآخرون ؛ وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق . والأولون صنفان : تارة يسلبون لفظ القرآن ما دلّ عليه وأريد به ، وتارة يحملونه على ما لم يدلّ عليه ولم يرد به . وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا ، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول ، وقد يكون حقا ؛ فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول .
هامش
أحاديث يسيرة ، اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من وجوه مرضيّة ، وطرق واضحة جليّة . وأما الكتب المصنّفة في تفسير القرآن ، فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان . . . وأما المغازي فمن المشتهرين بتصنيفها وصرف العناية إليها محمد بن إسحاق المطلبي ، ومحمد بن عمر الواقدي . فأما ابن إسحاق فقد تقدّمت الحكاية عنه أنه كان يأخذ عن أهل الكتاب أخبارهم . . . وأما الواقدي فسوء ثناء المحدّثين عليه مستفيض ، وكلام أئمتهم فيه طويل عريض . . . وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره ، وخلوّه من أكثر ما يذكر في كتب غيره ا ه . وانظر المقاصد الحسنة ص 481 ، ومختصر المقاصد ص 209 ، والبرهان للزركشي 2 / 156 - 157 . ( 1 ) وهو مطبوع متداول بحمد اللّه تعالى ، صدر عن مكتبة الرشد الرياض ، ودار المعرفة بيروت .
الإتقان في علوم القرآن — صفحة 441 | جلال الدين السيوطي / فواز أحمد زمرلي