تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
وقد قال الحاكم في المستدرك « 1 » : إنّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع . وقال الإمام أبو طالب الطبريّ في أوائل تفسيره : القول في آداب المفسّر : اعلم أنّ من شرطه صحة الاعتقاد أولا ، ولزوم سنّة الدين ، فإنّ من كان مغموصا عليه في دينه ، لا يؤتمن على الدنيا ، فكيف على الدين ! ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم ، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار اللّه تعالى ، ولأنه لا يؤمن إن كان متّهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويغر الناس بليّه وخداعه ، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة . وإن كان متّهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته ، كدأب القدريّة ، فإنّ أحدهم يصنّف الكتاب في التفسير ، ومقصوده منه الإيضاع خلال المساكين ، ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى . ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن أصحابه ومن عاصرهم ، ويتجنّب المحدثات ، وإذا تعارضت أقوالهم ، وأمكن الجمع بينها فعل ، نحو أن يتكلم على الصراط المستقيم وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد ، فيأخذ منها ما يدخل فيه الجميع ، فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء ، فطريق السنّة وطريق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطريق أبي بكر وعمر ، فأيّ هذه الأقوال أفرده كان محسنا . وإن تعارضت ردّ الأمر إلى ما ثبت فيه السّمع ، وإن لم يجد سمعا ، وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدها رجّح ما قوي الاستدلال فيه ،
هامش
( 1 ) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص 20 والمستدرك 1 / 27 - 123 - 522 ، والتقييد والإيضاح ص 70 ، وفتح المغيث 1 / 142 - 144 ، والجامع لأخلاق الراوي 2 / 293 - 294 ، ونكت الحافظ ابن حجر 2 / 530 - 533 . وتعقّب الحافظ ابن حجر كلام الحاكم بقوله : « والحقّ أنّ ضابط ما يفسّره الصحابي - رضي اللّه عنه - إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ، ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع ، وإلّا فلا ، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء ، وعن الأمور الآتية : كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار ، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص ، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها ، فيحكم لها بالرفع . . . وأما إذا فسّر آية تتعلّق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون ذلك مستفادا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن القواعد ، فلا يجزم برفعه . وكذا إذا فسّر مفردا فهذا نقل عن اللسان خاصة ، فلا يجزم برفعه ، وهذا التحرير الذي حرّرناه هو معتمد كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيح ، والإمام الشافعي ، وأبي جعفر الطبري ، وأبي جعفر الطحاوي ، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند ، والبيهقي ، وابن عبد البر في آخرين . إلّا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسّر له من الصحابة - رضي اللّه تعالى عنهم - من عرف بالنظر في الإسرائيليات كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد اللّه بن سلام وغيره ، وكعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدّمنا ذكرها الرفع لقوة الاحتمال . واللّه أعلم . ا ه .