وقال غيره « 1 » : اختلف القائلون بالتفضل :
فقال بعضهم : الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب ؛ بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبّرها وتفكّرها عند ورود أوصاف العلا .
وقيل : بل يرجع لذات اللفظ ، وأنّ ما تضمّنه - قوله تعالى :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . .
الآية ، وآية الكرسيّ ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص - من الدّلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
وما كان مثلها ، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها .
وقال الحليميّ « 2 » ، ونقله عنه البيهقيّ « 3 » : معنى التفضيل يرجع إلى أشياء :
أحدها : أن يكون العمل بآية أولى من العمل بأخرى ، وأعود على الناس ، وعلى هذا يقال : آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص ، لأنّها إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير ، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور ، وقد يستغنون عن القصص ، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم ، ممّا يجري مجرى الأصول ، خيرا لهم ممّا يجعل تبعا لما لا بد منه .
الثاني : أن يقال : الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء اللّه تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته أفضل ، بمعنى أنّ مخبراتها أسنى وأجلّ قدرا .
الثالث : أن يقال : سورة خير من سورة ، أو آية خير من آية ، بمعنى أنّ القارئ يتعجّل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ، ويتأدّى منه بتلاوتها عبادة ، كقراءة آية الكرسيّ ، والإخلاص ، والمعوذتين ؛ فإنّ قارئها يتعجّل بقراءتها الاحتراز مما يخشى ، والاعتصام باللّه ، ويتأدّى بتلاوتها عبادة للّه ، لما فيها من ذكره سبحانه وتعالى بالصّفات العلا على سبيل الاعتقاد لها ، وسكون النفس إلى فضل ذلك بالذكر وبركته ؛ فأما آيات الحكم :
فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم ، وإنما يقع بها علم .
ثم لو قيل في الجملة : إنّ القرآن خير من التوراة والإنجيل والزّبور ، بمعنى أنّ التعبّد بالتلاوة والعلم واقع به دونها ، والثواب بحسب قراءته لا بقراءتها . أو أنه من حيث الإعجاز
هامش
( 1 ) انظر البرهان 1 / 438 .
( 2 ) في المنهاج 2 / 244 - 245 .
( 3 ) شعب الإيمان 2 / 515 - 516 .