تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإتقان في علوم القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
منازل الطريق ، كما أشير إليه بقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 )
. انتهى . ولا ينافي هذا وصفها في الحديث الآخر بكونها : « ثلثي القرآن » « 1 » ؛ لأنّ بعضهم وجّهه بأنّ دلالات القرآن الكريم : إما أن تكون بالمطابقة أو بالتضمّن أو بالالتزام ، وهذه السورة تدلّ على جميع مقاصد القرآن بالتضمّن والالتزام دون المطابقة ، والاثنان من الثلاثة ثلثان ، ذكره الزركشيّ في شرح « التنبيه » وناصر الدين بن الميلق . قال : وأيضا الحقوق ثلاثة : حقّ اللّه على عباده ، وحقّ العباد على اللّه ، وحقّ بعض العباد على بعض . وقد اشتملت الفاتحة صريحا على الحقّين الأولين ، فناسب كونها بصريحها ثلثين ، وحديث : « قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين » « 2 » شاهد لذلك . قلت : ولا تنافي - أيضا - بين كون الفاتحة أعظم السّور ، وبين الحديث الآخر : « أنّ البقرة أعظم السور » ؛ لأنّ المراد به ما عدا الفاتحة من السّور التي فصّلت فيها الأحكام وضربت الأمثال ، وأقيمت الحجج ؛ إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه ، ولذلك سمّيت « فسطاط القرآن » « 3 » . قال ابن العربيّ في أحكامه : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي ، وألف حكم ، وألف خبر ؛ ولعظيم فقهها أقام ابن عمر ثماني سنين على تعليمها . أخرجه مالك في الموطأ « 4 » . وقال ابن العربي « 5 » - أيضا - : إنما صارت آية الكرسيّ أعظم الآيات لعظم مقتضاها ، فإنّ الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه وتعلقاته ، وهي في آي القرآن كسورة الإخلاص في سوره ، إلّا أنّ سورة الإخلاص تفضلها بوجهين : أحدهما : أنها سورة ؛ وهذه آية ، والسورة أعظم لأنّه وقع التحدّي بها ، فهي أفضل من الآية التي لم يتحدّ بها . والثاني : أنّ سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا ، وآية الكرسيّ اقتضت التوحيد في خمسين حرفا ، فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبّر عنه
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه في فصل فضائل السور . ( 4 ) رواه مالك ( 11 ) 1 / 205 . ( 5 ) انظر البرهان 1 / 442 .