إن الخطاب له وحده لفظا ، والمعنى له وللمؤمنين . وإذا أراد اللّه الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله : يا أيها النبي . وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال : يا أيها الرسول .
وقيل : المراد به نداء النبىّ صلى اللّه عليه وسلم تعظيما ، ثم ابتدأ فقال :
إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
كقوله « 1 » :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ
، فذكر المؤمنين على معنى تقدمتهم وتكرمتهم ، ثم افتتح فقال :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ . . .
الآية .
قال القاضي : الصحيح أنّ معناها : يا أيها النبي إذا طلقت أنت - والمخبرون الذين أخبرتهم بذلك - النساء فليكن طلاقهنّ كذا ، وساغ هذا لما كان النبي يقضى منبأ . وهذا كثير في اللغة صحيح فيها .
المسألة الثالثة - قوله تعالى :
لِعِدَّتِهِنَّ
يقتضى أنهنّ اللاتي دخل بهن من الأزواج ، لأن غير المدخول بهنّ خرجن بقوله « 2 » :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها
.
المسألة الرابعة - قوله :
لِعِدَّتِهِنَّ
قيل : المعنى في عدّتهن ، واللام تأتى بمعنى في ، قال اللّه تعالى « 3 » :
يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
، أي في حياتي . وهذا فاسد حسبما بيناه في رسالة الملجئة وإنما المعنى فيه : فطلقوهن لعدّتهنّ التي تعتبر . واللام على أصلها ، كما تقول : افعل كذا لكذا ، ويكون مقصود الطلاق والاعتداد مآله الذي « 4 » ينتهى إليه ، وكذلك قوله تعالى « 5 » :
يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
، يعنى حياة القيامة التي هي الحياة الحقيقة الدائمة .
المسألة الخامسة - ما هذه العدّة ؟
فقال مالك والشافعي : هو زمان الطهر ، وقال أبو حنيفة : هو زمان الحيض . وقد بيّنا ذلك في سورة البقرة « 6 » .
ولما أراد اللّه تعالى أن يبيّن أنها الطّهر قرأها النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ، لقبل « 7 » عدتهن
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، آية 90 .
( 2 ) سورة الأحزاب ، آية 49 .
( 3 - 5 ) سورة الفجر ، آية 24 .
( 4 ) في ا : ويكون مقصود الطلاق الاعتداد ومآله . . .
( 6 ) صفحة 187 .
( 7 ) في القرطبي : فقبل العدة : آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض .