ولا شك في أن الرضا غاية الآمال ، وقد أنشد بعض الصوفية في تحقيق ذلك « 1 » :
امتحن اللّه به « 2 » خلقه * فالنار والجنة في قبضته
فهجره أعظم من ناره * ووصله أطيب من جنّته
الآية الخامسة - قوله تعالى « 3 » :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
.
فيها ثمان مسائل :
المسألة الأولى - في التقوى :
قد بينا حقيقة التقوى فيما تقدم ، فلا وجه لإعادته .
المسألة الثانية - روى زيد بن أسلم ، عن أبيه أنه قال - في قول اللّه عز وجل « 4 » :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
يقول مطيعين - قال :
فلم يدر أحد ما حقّ تقاته من عظم حقه تبارك وتعالى . ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يبلغوا حقّ تقاته ما بلغوا . قال : فأراد اللّه أن يعلم خلقه قدرته . ثم نسخها وهوّن على خلقه بقوله تبارك وتعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فلم يدع لهم مقالا .
فلو قلت لرجل : اتّق اللّه حقّ تقاته رأى أنك كلفته شططا من أمره . فإذا قلت :
اتق اللّه ما استطعت رأى أنك لم تكلفه شططا ، وهي قوله « 5 » :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
. نسختها الآية التي في النحل « 6 » :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
.
المسألة
الثالثة - ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الصحيح أنه قال : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه .
وقد ذكرنا في مواضع ، وهاهنا ، وفيما تقدم ، وبينّا حكمة ربط الأمر بالاستطاعة ، وإطلاق النهى على « 7 » الجملة ، وهاهنا قد قرن النهى بالاستطاعة أيضا ، فقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
. وعموم التقوى يتعلق
هامش
( 1 ) القرطبي : 18 - 143
( 2 ) في ش : بذا .
( 3 ) آية 16
( 4 ) سورة آل عمران ، آية 102 .
( 5 ) سورة إبراهيم ، آية 34
( 6 ) سورة النحل ، آية 18
( 7 ) في ا : عن .