تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
أميال وقاله ابن المنكدر ، وقال ابن عمر وابن المسيب وابن حنبل : إنما يلزم السعي من سمع النداء ، وفي هذا نظر . والسعي في الآية : ليس الإسراع في المشي كالسعي بين الصفا والمروة ، وإنما هو بمعنى قوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] ، فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي سعي كله إلى ذكر اللّه تعالى ، قال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم : إنما تؤتى الصلاة بالسكينة ، فالسعي هو بالنية والإرادة ، والعمل والذكر هو وعظ الخطبة قاله ابن المسيب ، ويؤيد ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة على باب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول إذا خرج الإمام طويت الصحف وجلست الملائكة يستمعون الذكر » ، والخطبة عند جمهور العلماء شرط في انعقاد الجمعة ، وقال الحسن : وهي مستحبة ، وقرأ عمر بن الخطاب ، وعلي وأبي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير ، وجماعة من التابعين : « فامضوا إلى ذكر اللّه » ، وقال ابن مسعود : لو قرأت « فاسعوا » لأسرعت حتى يقع ردائي . واختلف الناس في : « البيع » في الوقت المنهي عنه إذا وقع ما الحكم فيه بعد إجماعهم على وجوب امتناعه بدءا ، فقال الشافعي : يمضي ، وقال مرة : يفسخ ما لم يفت فإن فات صح بالقيمة ، واختلف في وقت التقويم ، فقيل : وقت القبض ، وقيل : وقت الحكم ، وقوله تعالى :
ذلِكُمْ
إشارة إلى السعي وترك البيع ، وقوله :
فَانْتَشِرُوا
أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة ، وكذلك قوله تعالى :
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
أنه الإباحة في طلب المعاش ، وأن ذلك مثل قوله تعالى :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[ المائدة : 2 ] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة » . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة ، ويكون نحوه صبيحة يوم السبت ، قاله جعفر بن محمد الصادق ، وقال مكحول : الفضل المبتغي العلم ، فينبغي أن يطلب إثر الجمعة ، وقوله تعالى :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً
الآية نزلت بسبب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان قائما على المنبر يخطب يوم الجمعة ، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي ، قال مجاهد : وكان من عرفهم أن يدخل عير الميرة بالطبل والمعازف والصياح سرورا بها ، فدخلت العير بمثل ذلك ، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائما على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا . قال جابر بن عبد اللّه : أنا أحدهم . قال القاضي أبو محمد : ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن ، إلا إني سمعت أبي رضي اللّه عنه يقول : هم العشرة المشهود لهم بالجنة ، واختلف في الحادي عشر ، فقيل : عمار بن ياسر ، وقيل : عبد اللّه بن مسعود ، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي : بقي معه ثمانية نفر ، وروي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على المنفضين من السماء » ، وفي حديث آخر : « والذي نفس محمد بيده ، ولو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد ، أسال عليكم الوادي نارا » . وقال قتادة : بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات ، لأن قدوم العير كان يوافق يوم الجمعة يشبه أن المراحل كانت تعطي
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 309 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى