كنتم من اللّه تعالى بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الحسية أحب إليكم
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ
إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة ، أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يتمنونه ولا يلقونه إلا كرها لعلمهم بسوء حالهم عند اللّه وبعدهم منه . هذا هو المعنى اللازم من ألفاظ الآية ، وروى كثير من المفسرين أن اللّه تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم فيهم ، وآية باهرة ، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق الدنيا ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تمنوا الموت » على جهة التعجيز وإظهار الآية ، فما تمناه أحد خوفا من الموت ، وثقة بصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم توعدهم تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه ، ثم بما بعده من الرد إلى اللّه تعالى ، وقرأ ابن مسعود : « منه ملاقيكم » بإسقاط
فَإِنَّهُ
، وقوله تعالى :
فَيُنَبِّئُكُمْ
أي إنباء معاقب مجاز عليه بالتعذيب ، وقرأ ابن أبي إسحاق « فتمنوا الموت » بكسر الواو وكذلك يحيى بن يعمر .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 )
« النداء بالجمعة » هو في ناحية من المسجد ، وكان على الجدار في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال السائب بن يزيد : كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم مؤذن واحد على باب المسجد ، وفي مصنف أبي داود : كان بين يديه وهو على منبر أذان ، وهو الذي استعمل بنو أمية ، وبقي بقرطبة إلى الآن ، ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس ، فقوم عبروا عن زيادة عثمان بالثاني ، كأنهم لم يعتدوا الذي كان بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقوم عبروا عنه بالثالث ، وقرأ الأعمش وابن الزبير : « الجمعة » بإسكان الميم وهي لغة ، والمأمور بالسعي هو المؤمن الصحيح البالغ الحر الذكر ، ولا جمعة على مسافر في طاعة ، فإن حضرها أحسن ، وأجزأته .
واختلف الناس في الحد الذي يلزم منه السعي ، فقال مالك : ثلاثة أميال .
قال القاضي أبو محمد : من منزل الساعي إلى المنادي ، وقال فريق : من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء ، وقال أصحاب الرأي : يلزم أهل المدينة كلها السعي من سمع النداء ومن لم يسمع ، وإن كانت أقطارها فوق ثلاثة أميال . قال أبو حنيفة : ولا من منزله خارج المدينة كزرارة من الكوفة ، وإنما بينهما مجرى نهر ، ولا يجوز لهم إقامتها لأن من شروطها الجامع والسلطان القاهر ، والسوق القائمة ، وقال بعض أهل العلم : يلزم السعي من خمسة أميال ، وقال الزهري : من ستة أميال ، وقال أيضا : من أربعة