تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وتلك سبيل اللّه فيهم ، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية ، وقوله تعالى :
ذلِكَ
إشارة إلى فعل اللّه تعالى في فضيحتهم وتوبيخهم ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا ، فالمعنى ساء عملهم أن كفروا بعد إيمانهم ، وقوله تعالى :
آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
إما أن يريد به منهم من كان آمن ثم نافق بعد صحة من إيمانه ، وقد كان هذا موجودا ، وإما أن يريدهم كلهم ، فالمعنى ذلك أنهم أظهروا الإيمان ثم كفروا في الباطن أمرهم فسمى ذلك الإظهار إيمانا ، وقرأ بعض القراء : « فطبع » على بناء الفعل للفاعل ، وقرأ جمهور القراء : « فطبع » بضم الطاء على بنائه للمفعول بغير إدغام . وأدغم أبو عمرو ، وقرأ الأعمش : « فطبع اللّه » ، وعبر بالطبع عما خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر والمصير إلى النار ، وقوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ
توبيخ لهم لأنهم كانوا رجالا أجمل شيء وأفصحه ، فكان نظرهم يروق وقولهم يخيب ، ولكن اللّه تعالى جعلهم « كالخشب المسندة » ، وإنما هي أجرام لا عقول لها ، معتمدة على غيرها ، لا تثبت بأنفسها ، ومنه قولهم : تساند القوم إذا اصطفوا وتقابلوا للقتال ، وقد يحتمل أن يشبه اصطفافهم في الأندية باصطفاف الخشب المسندة وخلوهم من الأفهام النافعة خلو الخشب من ذلك ، وقال رجل لابن سيرين : رأيتني في النوم محتضنا خشبة ، فقال ابن سيرين : أظنك من أهل هذه الآية وتلا :
كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
. وقرأ عكرمة وعطية : « يسمع » مضمومة بالياء ، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وعاصم : « خشب » بضم الخاء والشين ، وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي : « خشب » بضم الخاء وإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابن عبيد . وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : « خشب » بفتح الخاء والشين ، وذلك كله جمع خشبة بفتح الخاء والشين ، فالقراءتان أولا كما تقول : بدنة وبدن وبدن : قاله سيبويه ، والأخيرة على الباب في تمرة وتمر . وكان عبد اللّه بن أبي من أبهى المنافقين وأطولهم ، ويدل على ذلك أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه ، وقد تقدم في سورة البقرة تحرير أمر المنافقين وكيف سترهم الإسلام . وقوله تعالى :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
، فضح أيضا لما كانوا يسرونه من الخوف ، وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه بقتلهم ، وقال مقاتل : فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة أو صياحا بأي وجه كان أو أخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك . ويكون في غير شأنهم ، وجرى هذا اللفظ مثلا في الخائف ، ونحو قول الشاعر [ بشار بن برد العقيلي ] : [ الوافر ]
يروّعه السرار بكل أرض * مخافة أن يكون به السرار
وقول جرير : [ الكامل ]
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم * خيلا تكر عليهم ورجالا
ثم أخبر تعالى بأنهم
الْعَدُوُّ
وحذر منهم ، و
الْعَدُوُّ
يقع للواحد والجمع ، وقوله تعالى :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة ، وتمني الشر لهم ، وقوله تعالى :
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
معناه : كيف يصرفون ، ويحتمل أن يكون
أَنَّى
استفهاما ، كأنه قال كيف يصرفون أو لأي سبب لا يرون
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 312 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى