تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
واختلف الناس في المعنيين بقوله :
وَآخَرِينَ
من هم ؟ فقال أبو هريرة وغيره : أراد فارسا ، وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من الآخرون ؟ فأخذ بيد سلمان وقال : « لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء » . أخرجه مسلم . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : أراد الروم والعجم ، فقوله تعالى :
مِنْهُمْ
على هذين القولين : إنما يريد في البشرية والإيمان كأنه قال : وفي آخرين من الناس : وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل : أراد التابعين من أبناء العرب ، فقوله :
مِنْهُمْ
يريد به النسب والإيمان ، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وابن حبان : أراد بقوله :
وَآخَرِينَ
جميع طوائف الناس ، ويكون منهم في البشرية والإيمان على ما قلناه وذلك أنا نجد بعثه عليه السلام إلى جميع الخلائق ، وقال ابن عمر لأهل اليمن : أنتم هم ، وقوله تعالى :
لَمَّا يَلْحَقُوا
نفي لما قرب من الحال ، والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا فهي « لم » زيدت عليها « ما » تأكيدا . قال سيبويه « لما » نفي قولك قد فعل ، و « لن » قولك فعل دون قد ، وقوله تعالى :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
الآية ، تبيين لموقع النعمة ، وتخصيصه إياهم بها . قوله عزّ وجل :

[ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 5 إلى 8 ]

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 )
الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ
هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، و
حُمِّلُوا
معناه : كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها ، فهذا كمال حمل الإنسان الأمانة ، وليس ذلك من الحمل على الظهر ، وإن كان مشتقا منه ، وذكر تعالى أنهم
لَمْ يَحْمِلُوها
، أي لم يطيعوا أمرها ، ويقفوا عند حدها حين كذبوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، و « التوراة » تنطق بنبوته ، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار ، فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة واحدة ، وقرأ يحيى بن يعمر : « حملوا » بفتح الحاء والميم مخففة ، وقرأ المأمون العباسي : « يحمّل أسفارا » بضم الياء وفتح الحاء وشد الميم مفتوحة ، وفي مصحف ابن مسعود : « كمثل حمار » بغير تعريف ، والسفر : الكتاب المجتمع الأوراق منضودة ، ثم بين حال مثلهم وفساده بقوله تعالى :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
وقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ
الآية ، روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاطبوا يهود خيبر في أمره ، وذكروا لهم نبوته ، وقالوا : إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم ، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون : نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن ، وأبناء عزير ابن اللّه ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب ، نحن أحق بالنبوة من محمد ، ولا سبيل إلى اتباعه ، فنزلت الآية بمعنى : أنكم إذا