تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمدا وبشر به ، فأشاروا إلى موسى من حيث كان هذا الأمر مذكورا في توراته . قال ابن عباس في كتاب الثعلبي : لم يكونوا علموا أمر عيسى عليه السلام ، فلذلك قالوا
مِنْ بَعْدِ مُوسى
. وقولهم :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
يؤيد هذا . و : ما
بَيْنَ يَدَيْهِ
هي التوراة والإنجيل . و
الْحَقِّ
و « الطريق المستقيم » هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ ، وربما كان
الْحَقِّ
أعم ، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن التكرار . و :
داعِيَ اللَّهِ
هو محمد عليه السلام ، والضمير في :
بِهِ
عائد على اللّه تعالى . وقوله :
يَغْفِرْ
معناه : يغفر اللّه .
وَيُجِرْكُمْ
معناه : يمنعكم ويجعل دونكم جوار حفظه حتى لا ينالكم عذاب . وقوله تعالى :
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ
الآية ، يحتمل أن يكون من كلام المنذرين ، ويحتمل أن يكون من كلام اللّه تعالى لمحمد عليه السلام ، والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا المعنى من قول الجن :
أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا ، والمعجز الذاهب في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه ، وروي عن ابن عامر : « وليس لهم من دونه » بزيادة ميم . وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
الضمير لقريش ، وهذه آية مثل واحتجاج ، لأنهم قالوا إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد ، وهم مع ذلك معترفون بأن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم . والرؤية في قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
رؤية القلب . وقرأ جمهور الناس : « ولم يعي » بسكون العين وفتح الياء الأخيرة . وقرأ الحسن بن أبي الحسن « يع » بكسر العين وسكون الياء وذلك على حذف . والباء في قوله :
بِقادِرٍ
زائدة مؤكدة ، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن التأكيد بالباء وإن لم يكن المنفي ما دخلت علي عليه كما هي في قولك : ما زيد بقائم كان بدل
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أوليس الذي خلق . وقرأ ابن عباس وجمهور الناس : « بقادر » وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو بن عبيد : « يقدر » بالياء على فعل مستقبل ، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة الجمهور لقلق الباء عنده . وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود « بخلقهن قادر » . و :
بَلى
جواب بعد النفي المتقدم ، فهي إيجاب لما نفي ، والمعنى : بلى رأوا ذلك أن لو نفعهم ووقع في قلوبهم ، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله :
إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. قوله عزّ وجل :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 34 إلى 35 ]

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ( 35 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 106 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى