تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
المعنى : واذكر يوم ، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم . والعرض في هذه الآية ، عرض مباشرة ، كما تقولون عرضت الجاني على السوط . والمعنى يقال لهم أليس هذا العذاب حقا وقد كنتم تكذبون به ؟ فيجيبون :
بَلى وَرَبِّنا
، وذلك تصديق حيث لا ينفع ، وروي عن الحسن أنه قال : إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل ، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
أي بسبب كفركم . وقوله تعالى :
فَاصْبِرْ
الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من الإخبار عن حال الكفرة في الآخرة ، والمعنى بينهما مرتبط ، أي هذه حالهم مع اللّه ، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له ولا تخف في اللّه أحدا . وقوله :
مِنَ الرُّسُلِ
مِنَ
للتبعيض ، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى اللّه عليهم ، هذا قول عطاء الخراساني وغيره . وقال ابن زيد ما معناه : إن
مِنَ
لبيان الجنس . قال : والرسل كلهم
أُولُوا الْعَزْمِ
، ولكن قوله :
كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ
يتضمن رسلا وغيرهم ، فبين بعد ذلك جنس الرسل خاصة تعظيما لهم ، ولتكون القدوة المضروبة لمحمد عليه السلام أشرف ، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري . وحكي عن أبي القاسم الحكيم أنه قال : الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام وقال الحسن بن الفضل : هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام ، لأنه قال بعقب ذكرهم
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] . وقال مقاتل هم ستة : نوح صبر على أذى قومه طويلا ، وإبراهيم صبر للناس ، وإسحاق صبر نفسه للذبح ، ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[ يوسف : 83 ] ، ويوسف على السجن وفي البئر ، وأيوب صبر على البلاء . قال القاضي أبو محمد : وانظر أن النبي عليه السلام قال في موسى : « يرحم اللّه موسى ، أوذي بأكثر من هذا فصبر » ، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزما وصبرا . وقوله :
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
معناه لا تستعجل لهم عذابا ، فإنهم إليه صائرون ، ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة ، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك ، لأن المنقضي من الزمان إنما يصير عدما ، فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل . وقرأ أبي بن كعب « ساعة من النهار » . وقرأ جمهور القراء والناس : « بلاغ » وذلك يحتمل معاني ، أحدها : أن يكون خبر ابتداء ، المعنى : هذا بلاغ ، وتكون الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع ، أي هذا إنذار وتبليغ ، وإما إلى المدة التي تكون كساعة كأنه قال :
لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً
كانت بلاغهم ، وهذا كما تقول : متاع قليل ونحوه من المعنى . والثاني : أن يكون ابتداء والخبر محذوف . والثالث : ما قاله أبو مجلز