تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
معناه : انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة . وقوله :
وَذلِكَ
الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله :
إِفْكُهُمْ
فقرأ جمهور القراء « إفكهم » بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف ، فالإشارة ب
ذلِكَ
على هذه القراءة إلى قولهم في الأصنام إنها آلهة ، وذلك هو اتخاذهم إياها ، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ : « أفكهم » بفتح الهمزة ، وهي لغة في الإفك ، وهما بمعنى الكذب ، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ : « أفكهم » بفتح الهمزة : والفاء على الفعل الماضي ، بمعنى صرفهم ، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان . وقرأ أبو عياض أيضا وعكرمة فيما حكى الثعلبي : « أفّكهم » بشد الفاء وفتح الهمزة والكاف ، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف . وقرأ عبد اللّه بن الزبير : « آفكهم » بالمد وفتح الفاء والكاف على التعدية بالهمزة . قال الزجاج : معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم . وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب : « آفكهم » بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن فاعل ، بمعنى : صارفهم . وحكى الفراء أنه يقرأ : « أفكهم » بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف ، وهي لغة في الإفك ، والإشارة ب
ذلِكَ
على هذه القراءة التي ليست مصدرا يحتمل أن تكون إلى الأصنام . وقوله :
وَما كانُوا يَفْتَرُونَ
، ويحتمل أن تكون
ما
مصدرية فلا يحتاج إلى عائد ، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي ، فهناك عائد محذوف تقديره : يفترونه . وقوله تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
ابتداء قصة الجن ووفادتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم . و :
صَرَفْنا
معناه : رددناهم عن حال ما ، يحتمل أنها الاستماع في السماء ، ويحتمل أن يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف هنا هل هم الوفد أو المتجسسون ، وروي أن الجن كانت قبل مبعث النبي عليه السلام تسترق السمع من السماء ، فلما بعث محمد عليه السلام حرست بالشهب الراجمة ، فضاقت الجن ذرعا بذلك ، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في أقطار الأرض وطلب السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ذلك . واختلف الرواة بعد فقالت فرقة : جاءت طائفة من الجن إلى النبي عليه السلام وهو لا يشعر ، فسمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين ، ولم يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه اللّه بذلك كله ، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ ، وهو يقرأ في صلاة الفجر . وقالت فرقة : بل أشعره اللّه بوفادة الجن عليه واستعد لذلك ، ووفد عليه أهل نصيبين منهم . قال القاضي أبو محمد : والتحرير في هذا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جاءه جن دون أن يعرف بهم ، وهم المتفرقون من أجل الرجم ، وهذا هو قوله تعالى :
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ
[ الجن : 1 ] ثم بعد ذلك وفد عليه وفد ، وهو المذكور صرفه في هذه الآية . قال قتادة : صرفوا إليه من نينوى ، أشعر به قبل وروده . وقال الحسن : لم يشعر . واختلف في عددهم اختلافا متباعدا فاختصرته لعدم الصحة في ذلك ، أما أن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وقال زر كانوا تسعة : فيهم زوبعة ، وروي في ذلك أحاديث عن
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 104 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى