تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
التزموها له في قولهم :
وَإِنَّا لَفاعِلُونَ
، وأراد يوسف عليه السلام المبالغة في استمالتهم بأن رد مال كل واحد منهم في رحله بين طعامه ، وأمر بذلك فتيانه . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر : « لفتيته » وقرأ حمزة والكسائي : « لفتيانه » ، واختلف عن عاصم ، ففتيان للكثرة - على مراعاة المأمورين - وفتية للقلة - على مراعاة المتناولين وهم الخدمة - ويكون هذا الوصف للحر والعبد . وفي مصحف ابن مسعود : « وقال لفتيانه » وهو يكايلهم . وقوله
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها
يريد : لعلهم يعرفون لها يدا ، أو تكرمة يرون حقها ، فيرغبون فينا ، فلعلهم يرجعون حينئذ وأما ميز البضاعة فلا يقال فيه : لعل ، وقيل : قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن ، وهذا ضعيف من وجوه ، وسرورهم بالبضاعة وقولهم :
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
[ يوسف : 65 ] يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم ، فيرغبهم في نفسه كالذي كان ؛ وخص البضاعة بعينها - دون أن يعطيهم غيرها من الأموال - لأنها أوقع في نفوسهم ، إذ يعرفون حلها ، وماله هو إنما كان عندهم مالا مجهول الحال ، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة ؛ ويظهر أن ما فعل يوسف من صلتهم ، وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه ، إذ هو ملك عدل وهم أهل إيمان ونبوة ؛ وقيل : علم عدم البضاعة والدراهم عند أبيه ، فرد البضاعة إليهم لئلا يمنعهم العدم من الانصراف إليه ؛ وقيل : جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ، ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة . قال القاضي أبو محمد : والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة الرحم . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر : « نكتل » بالنون على مراعاة
مُنِعَ مِنَّا
ويقويه :
وَنَمِيرُ أَهْلَنا
وَنَزْدادُ
[ يوسف : 65 ] وقرأ حمزة والكسائي : « يكتل » بالياء ، أي يكتل يامين كما اكتلنا نحن . وأصل
نَكْتَلْ
، وزنه نفتعل . وقولهم
مُنِعَ مِنَّا
ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله :
فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي
[ يوسف : 60 ] فهو خوف في المستأنف ؛ وقيل : أشاروا إلى بعير بنيامين - الذي لم يمتر - والأول أرجح . ثم تضمنوا له حفظه وحيطته . قوله عزّ وجل :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 64 إلى 65 ]

قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ( 65 ) قوله
هَلْ
توقيف وتقرير ، وتألم يعقوب عليه السلام من فرقة بنيامين ، ولم يصرح بمنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة ، لكنه أعلمهم بقلة طمأنينته إليهم . وأنه يخاف عليه من كيدهم ، ولكن