تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين ؟ وروي في القصص أنهم وردوا مصر ، واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستئذان ، فعرفهم ، وأمر بإنزالهم ، وأدخلهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وأهبة شنيعة ؛ وروي أنه كان متلثما أبدا سترا لجماله ، وأنه كان يأخذ الصواع فينقره ، ويفهم من طنينه صدق ما يحدث به أو كذبه ؛ فسئلوا عن أخبارهم ، فكلما صدقوا قال لهم يوسف : صدقتم ، فلما قالوا : وكان لنا أخ أكله الذئب ، طن يوسف الصاع وقال : كذبتم ، ثم تغير لهم ، وقال : أراكم جواسيس ، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك ، في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة . و « الجهاز » ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وكل ما يحمل ، وكذلك جهاز العروس وجهاز الميت . وقول يوسف عليه السلام :
أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ
الآية ، يرغبهم في نفسهم آخرا ، ويؤنسهم ويستميلهم . و
الْمُنْزِلِينَ
يعني المضيفين في قطره ووقته ، و « الجهاز » - المشار إليه - الطعام الذي كان حمله لهم ، ثم توعدهم إن لم يجيئوا بالأخ بأنه لا كيل لهم عنده في المستأنف ، وأمرهم ألا يقربوا له بلدا ولا طاعة ، و
لا تَقْرَبُونِ
نهي لفظا ومعنى ، ويجوز أن يكون لفظه الخبر ومعناه النهي ، وتحذف إحدى النونين كما قرئ
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
[ الحجر : 54 ] - بكسر النون - وهذا خبر لا غير . وخلط النحاس في هذا الموضع ؛ وقال مالك رحمه اللّه : هذه الآية وما يليها تقتضي أن كيل الطعام على البائع ، وكذلك هي الرواية في التولية والشركة : أنها بمنزلة البيع ، والرواية في القرض : أن الكيل على المستقرض . وروي أنه حبس منهم شمعون رهينة حتى يجيئوه ببنيامين ، - قاله السدي - وروي : أنه لم يحبس منهم أحدا . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيطن فيقول لهم : إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أبا شيخا » . قال القاضي أبو محمد : كأنها حيلة وإيهام لهم ، وروي : أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهارا لعزته بحسب غلائه في تلك المدة ، وروي : أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس ، ثم أملاكهم ، فمن هناك ليس لأحد في أرض مصر ومزارعها ملك . وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه ، لكن اللّه تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى . قوله عزّ وجل :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 61 إلى 63 ]

قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) تقدم معنى « المراودة » أي سنقايل أباه في أن يتركه يأتي معنا إليك ، ثم شددوا هذه المقالة بأن
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 258 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى