القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين ؛ وقال أبو علي : إما أن يكون تقدير هذه القراءة : حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات ، فهي قرب يريدها اللّه ويشاؤها ؛ وإما أن يكون معناها : حيث يشاء يوسف ، لكن أضاف اللّه عزّ وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده ، وكانت مشيئته بقدرة اللّه تعالى وقوته كما قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] .
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله من أبي على نزغة اعتزالية ، وتحفظ من أن أفعال العباد من فاعلين ، فتأمله .
واللام في قوله :
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ
يجوز أن تكون على حد التي في قوله
رَدِفَ لَكُمْ
[ النمل : 72 ] و
لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف : 43 ] . وقوله :
يَتَبَوَّأُ
في موضع نصب على الحال ، و
حَيْثُ يَشاءُ
نصب على الظرف أو على المفعول به ، كما قال الشماخ : حيث تكوى النواحز . وباقي الآية بين .
ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد ، والجري على طريق الحق لا يضيع عند اللّه ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا ، عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد وأحرى أن تجعل غرضا ومقصدا ، وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير من حاله العظيمة في الدنيا .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 58 إلى 60 ]
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 )
قال السدي وغيره : سبب مجيئهم أن الجماعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد التي كان بها يعقوب ، وروي أنه كان في الغربات من أرض فلسطين بغور الشام . وقيل : كان بالأولاج من ناحية الشعب ، وكان صاحب بادية له إبل وشاء ، فأصابهم الجوع ، وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة ، فكان الناس يمتارون من عند يوسف ، وهو في رتبة العزيز المتقدم ، وكان لا يعطي الوارد أكثر من حمل بعير ، يسوي بين الناس ، فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه هم ، لبعد العهد وتغير سنه ، ولم يقع لهم - بسبب ملكه ولسانه القبطي - ظن عليه ؛ وروي في بعض القصص : أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم ، فباحثهم بأن قال لهم - بترجمان - أظنكم جواسيس ، فاحتاجوا - حينئذ - إلى التعريف بأنفسهم فقالوا : نحن أبناء رجل صديق ، وكنا اثني عشر ، ذهب واحد منا في البرية ، وبقي أصغرنا عند أبينا ، وجئنا نحن للميرة ، وسقنا بعير الباقي منا ، وكانوا عشرة ، ولهم أحد عشر بعيرا ؛ فقال لهم يوسف :
ولم تخلف أخوكم ؟ قالوا : لمحبة أبينا فيه ، قال : فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه