يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه : وقال مجاهد :
كَيْلَ بَعِيرٍ
أراد كيل حمار . قال : وبعض العرب يقول للحمار بعير .
قال القاضي أبو محمد : وهذا شاذ .
وقولهم :
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
تقرير بغير ألف ، أي أذلك كيل يسير في مثل هذا العام فيهمل أمره ؟
وقيل : معناه :
يَسِيرٌ
على يوسف أن يعطيه . وقال الحسن البصري : وقد كان يوسف وعدهم أن يزيدهم حمل بعير بغير ثمن ؛ وقال السدي : معنى
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل .
قال القاضي أبو محمد : فكأنهم أنسوه على هذا بقرب الأوبة .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 66 إلى 67 ]
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 )
أراد يعقوب عليه السلام أن يتوثق منهم . و « الموثق » - مفعل - من الوثاقة . فلما عاهدوه أشهد اللّه بينه وبينهم بقوله :
اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
و « الوكيل » القيم الحافظ الضامن .
وقرأ ابن كثير « تؤتوني » بياء في الوصل والوقف ، وروي عن نافع أنه وصل بياء ووقف دونها . والباقون تركوا الياء في الوجهين .
وقوله :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
قيل : خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد ، وكانوا أهل جمال وبسطة . قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره : والعين حق ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر » ، وفي تعوذه عليه السلام : « أعوذ بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامة » . وقيل : خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل : أنتم جواسيس ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر . وقيل : طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو يتطلعوا خبر يوسف - وهذا ضعيف يرده :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
فإن ذلك لا يتركب على هذا المقصد .
وقوله :
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص . وقال مجاهد : المعنى : إلا أن تهلكوا جميعا . وقال قتادة : إلا ألا تطيقوا ذلك .
قال القاضي أبو محمد : وهذا يرجحه لفظ الآية . وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة ، وأشهد اللّه تعالى ، ووصى بنيه ، وأخبر بعد ذلك بتوكله ، فهذا توكل مع تسبب ، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع بماء وبقل البرية ونحوه ، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء