تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
قال بعض أهل التأويل : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه ، فيصلح منه ما شاء ؛ وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره ، فلا يجوز له ذلك . قال القاضي أبو محمد : وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام لرغبته في أن يقع العدل ، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مع نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين . . . الحديث بكماله فجائز للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه ، وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره . و
خَزائِنِ
لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره . و
حَفِيظٌ عَلِيمٌ
صفتان تعم وجوه التثقيف والحيطة لا خلل معهما لعامل . وقد خصص الناس بهاتين الصفتين أشياء ، مثل قولهم : « حفيظ » بالحساب « عليم » بالألسن ، وقول بعضهم : « حفيظ » لما استودعتني ، « عليم » بسني الجوع ، وهذا كله تخصيص لا وجه له ، وإنما أراد باتصافه أن يعرف الملك بالوجه الذي به يستحق الكون على خزائن الأرض فاتصف بأنه يحفظ المجبي من كل جهة تحتاج إلى الحفظ . ويعلم التناول أجمع . وروي عن مالك بن أنس أنه قال : مصر خزانة الأرض ، واحتج بهذه الآية . وقوله
خَزائِنِ الْأَرْضِ
يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط ، ويؤكد أن تسمى خزانة الأرض نصبتها في بلاد الأرض وتوسطها ، فمنها ينقل الناس إلى أقطار الأرض وهي محل كل جالب . وقوله تعالى :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ
الآية ، الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع اللّه به كهذه الأفعال المنصوصة ، درجناه في الرتب ونقلناه فمكنا له في الأرض . قال القاضي أبو محمد : فروي أن العزيز مات في تلك الليالي ، وقال ابن إسحاق : بل عزله الملك ثم مات إطفير ، فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته ، فلما دخلت عليه عروسا قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت أردت ؟ فقالت له : أيها الصديق كنت في غاية الجمال ، وكنت شابة عذراء ، وكان زوجي لا يطأ ، فغلبتني نفسي في حبك ، فدخل يوسف بها فوجدها بكرا ، وولدت له ولدين . وروي أن الملك عزل العزيز ، وولاه موضعه ، ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع ، قال مجاهد : وأسلم الملك آخر أمره ، ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه ، ومات وافتقرت زوجته ، وزمنت وشاخت ، فلما كان في بعض الأيام . لقيت يوسف في طريق ، والجنود حوله ووراءه ، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب
هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ، وَسُبْحانَ اللَّهِ ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ يوسف : 108 ] فصاحت به وقالت : سبحان من أعز العبيد بالطاعة ، وأذل الأرباب بالمعصية ، فعرفها ، وقالت له : تعطف عليّ وارزقني شيئا فدعاها وكلمها ، وأشفق لحالها ، ودعا اللّه تعالى ، فرد عليها جمالها وتزوجها . قال القاضي أبو محمد : وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته ، ويطول الكلام بسوقه . وقرأ الجمهور : « حيث يشاء » على الإخبار عن يوسف ؛ وقرأ ابن كثير وحده « حيث نشاء » بالنون على ضمير المتكلم . أي حيث يشاء اللّه من تصرف يوسف على اختلاف تصرفه ، وحكى أبو حاتم هذه
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 256 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى