من يكشف لهم الأخبار ، فعاد الكشّافة إليهم وأخبروهم بما تمّ عليهم ، فركبوا خيولهم وقد فقدوا عقولهم وعادوا راجعين ، وبأصحابهم لاحقين .
وكان السلطان قائما بمكانه ، ولم يبرح ، ثابتا في موقفه لم يتزحزح ، في نفر قليل من المماليك الأصاغر ، وما حوله من أثقال العساكر ، لأن العسكر تفرق ، فبعض ذهب خلف العدّو في الطلب ، وبعضهم أدبر هزيما لما ظن أن لهم الغلب ، فرأى السلطان من الحزم أن تطوى السناجق ، وتخفى البيارق ، وتبطل الكوسات ، وتخفض الأصوات ، ومرت ميمنة التتار راجعة على الأعقاب ، ناجية منبجي الذباب ، وعاينوا السلطان وافقا في السواد الذي حوله ، وقد تكاثف حواليه ، فلم يقدموا عليه ، وطلبوا طريق الرستن ليلحقوا بأصحابهم ، وأسرعوا في ذهابهم لا يهتدون إلى صوابهم :
ولّوا طرائد للحتوف ترى لهم * بين الصفوف عجاجة وعجيجا
وتخوفوا نار السيوف ويومهم * أمسي بنيران السموم وهيجا
والوحش يقسم لا آكلن شواهم * إلا شواه بالهجير نضيجا
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان — صفحة 279
مساهمون: العيني
ص٢٧٩