تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
إلا اللّه . ومعناه : لا يؤمنون باللّه إيمان الموحدين ، لأن أهل الكتاب كانوا يقرون باللّه ، ولكنهم قالوا : للّه ولد ، وأقروا بالبعث ، ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة ، ولأنهم لا يقرون بالأكل والشرب والجماع ولا يقرّون كما أعلم اللّه تعالى فليسوا يدينون بدين الحق ، يعني : دين الإسلام ؛ ويقال : دين اللّه تعالى ، لأن اللّه تعالى هو الحق ، فأمر اللّه تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية . وهو قوله تعالى :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
؛ قال بعضهم : عن قهر وذلّ ، كما تقول : اليد في هذا لفلان ، يعني : الأمر النافذ لفلان . ويقال :
عَنْ يَدٍ
، يعني : عن إنعام عليهم بذلك ، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم . ويقال : عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم . ويقال :
عَنْ يَدٍ
يعني : عن قيام ، يمشون بها صاغرين ، تؤخذ من أيديهم . وقال الأخفش : يعني : كرها .
وَهُمْ صاغِرُونَ
، يعني : ذليلين . قال الفقيه : قتال الكفار على ثلاثة أنواع : في وجه : يقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام ، وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم . وفي وجه : يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، وهم اليهود والنصارى والمجوس . فأما اليهود والنصارى فبهذه الآية ، وأما المجوس فبالخبر ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » « 1 » وفي الوجه الثالث : اختلفوا فيه ، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل الكتاب ، مثل الترك والهند ونحو ذلك ، في قول الشافعي : لا يجوز أخذ الجزية منهم ، وفي قول أبي حنيفة وأصحابه : يجوز أخذ الجزية منهم ، كما يجوز من المجوس ، لأنهم من غير العرب .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
. قرأ عاصم والكسائي
عُزَيْرٌ
بالتنوين ، وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين ، فلأنّ الابن خبر ، وليس بنسبة ، ومن قرأ بغير تنوين فلالتقاء الساكنين ، كما قرأ بعضهم
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ
[ الإخلاص : 1 ] بغير تنوين . فلا اختلاف بين النحويين : أن إثبات التنوين أجود من طريق أهل اللغة . وإنما قالت اليهود ذلك ، لأنه لما خرّب بخت‌نصّر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حزنوا على ذهاب التوراة ، فأملاها عليهم عزير صلوات اللّه عليه عن ظهر قلبه ، فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون قد
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي : 4 / 169 إلى مالك والشافعي وأبي عبيد في الأموال وابن أبي شيبة عن عمر ، عن عبد الرحمن بن عوف .