تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وثغاء الغنم وصوت الصبيان ؟ فقالوا له : إن مالك بن عوف أمرنا بإخراج الأموال لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله . فقال لهم : هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج فقال : هل يرى المنهزم شيئا ؟ فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى يبالي بماله وولده ؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم ، واحملوا حملة رجل واحد . ففعلوا ذلك ، فانهزم المسلمون ، ولم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا العباس ، وأبو سفيان بن حرب بن عبد المطلب ، وعدة من الأنصار . فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بغلته ، وأخذ السيف نحو العدو ، وجعل ينادي : « يا أصحاب الشّجرة ، يا أصحاب سورة البقرة إليّ إليّ » فأمدّه اللّه بخمسة آلاف من الملائكة ، ورجع إليه المسلمون ، وانهزم المشركون ، وأخذ المسلمون أموالهم ، وهو الذي يسمى يوم أوطاس ، فنزلت هذه الآية
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
فأخبر اللّه تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم ، ولكن بنصر اللّه تعالى ، وكان ذلك من آيات اللّه . ثم قال :
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
؛ يعني : برحبها وسعتها من خوف العدو ،
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
؛ يعني : منهزمين لا تلوون على أحد .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 ) قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ
، يعني : رحمته
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً
، يعني : خمسة آلاف من الملائكة
لَمْ تَرَوْها
وفي الآية دليل : أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة ، لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين ، فسماهم اللّه تعالى مؤمنين .
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
، يعني : بالقتل والهزيمة .
وَذلِكَ
يعني : ذلك العذاب
جَزاءُ
، عقاب
الْكافِرِينَ
. قوله :
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ
من أصحاب مالك بن عوف ، من كان أهلا للإسلام . - وروي عن محمد بن كعب القرظي « 1 » - قال : لما انهزم مالك بن عوف ، سار مع ثلاثة آلاف ، فقال لأصحابه : هل لكم أن تصيبوا من محمد مالا ؟ قالوا : نعم . فأرسل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إني أريد أن أسلم ، فما تعطيني ؟ فأرسل إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي أعطيك مائة من الإبل ورعاتها » . فجاء فأسلم ، فأقام يومين أو ثلاثة ، فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم ، رق لذلك فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ابن عوف ألا نفي لك بما أعطيناك من الشّرط ؟ » فقال : يا رسول اللّه ، أمثلي يأخذ على الإسلام شيئا ؟ قال : فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة
هامش
( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « ب » .