من رمضان ، فمكث حتى دخل شوال . فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبد اللّه بن أبي حدرد ، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم ، فسمع من مالك بن عوف أمير القوم يقول لأصحابه : أنتم اليوم أربعة آلاف رجل ، فإذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد ، واكسروا جفون سيوفكم ، فو اللّه لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلا أفرج لكم . وكان مالك بن عوف على هوازن ، فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبره بمقالتهم ، فقال رجل من المسلمين : فو اللّه يا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا نغلب اليوم من كثرة ، فساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمته ، وابتلى اللّه المؤمنين بكلمته تلك .
قال الفقيه : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا الفقيه علي بن أحمد الفارسي قال : حدثنا نصير بن يحيى قال : حدثنا أبو سليمان قال : حدثنا الفقيه محمد بن الحسن ، عن مجمع بن يعقوب ، عن إسحاق بن عبد اللّه ، عن أبي طلحة قال : سمعت أنس بن مالك يقول : « لما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وادي حنين ، وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب ، فاستقبلنا من هوازن جيش لا واللّه ما رأيت مثله في ذلك قط من السواد والكثرة ، وقد ساقوا أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم . ثم صفوا ، فحملوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال ، ثم جاءوا بالإبل والغنم وراء ذلك لكيلا يفروا بزعمهم . فلما رأينا ذلك السواد ، حسبناهم رجالا كلهم . فلما انحدرنا بالوادي ، وهو وادي حدور ، فبيّنا نحن فيه إذ شعرنا ، أي ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضايق الوادي وشعبه ، فحملوا علينا حملة رجل واحد . وقد كانت قريش بمكة طلبوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرجوا معه إلى حنين ، فلم يقل لهم لا ولا نعم ، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس . قال أنس : فولوا دبرهم ، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء . فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ يقول ، والتفت عن يمينه وعن يساره : « يا أنصار اللّه وأنصار رسوله ، أنا عبد اللّه ورسوله صابر اليوم » ، ثم تقدم بحربته أمام الناس ، فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح ، حتى هزمهم اللّه تعالى . ثم رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المعسكر ، وأمر بطلبهم وأن يقتل كل من قدر عليه منهم « 1 » .
وجعلت هوازن تولي ، وثاب من انهزم من المسلمين . قال الراوي : فقالت أم سليم وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب تقول : أرأيت يا رسول اللّه الذين أسلموا وفرّوا عنك وخذلوك ، لا تعف عنهم إن أمكنك اللّه منهم ، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أمّ سليم ، عفو اللّه أوسع » .
وروي في خبر آخر : أن دريد بن الصمة كان شيخا كبيرا في عسكر مالك بن عوف ، وكان صاحب تدبير ، وكان لا يبصر شيئا ما لم يرفع حاجباه . فقال : ما لي أسمع رغاء الإبل
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي : 4 / 159 إلى ابن شيبة وأحمد والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل .