زاد فيها أو نقص منها شيئا . فبينما هم كذلك ، إذ وقعوا على خوابي مدفونة في قرية فيها التوراة ، فعارضوا بها ما كتبوا من عزير ، فلم يزد شيئا ولم ينقص حرفا ، فقالوا عند ذلك : ما علم عزير هذا ، إلا وهو ابن اللّه .
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
؛ وإنما قالوا ذلك ، لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن اللّه تعالى ، فقالوا : لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن اللّه . ويقال :
إنّ الإفراط في كل شيء مذموم ، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى عليه السلام وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بسبب ذلك . واليهود أفرطوا بحب عزير ، وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا ، كما أفرطت الروافض في حب عليّ حتى أبغضوا غيره . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : « أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما » .
ثم قال تعالى :
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
، يعني :
ذلِكَ
كذبهم بألسنتهم ، ويقال : معناه يقولون بأفواههم قولا بلا فائدة ، ولا برهان ، ولا معنى صحيح تحته .
ثم قال :
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
؛ يعني : يوافقون قول الذين كفروا
مِنْ قَبْلُ
، حين قالوا : الملائكة بنات اللّه . وقال قتادة : يشبهون قول الذين كفروا ، يعني : قول اليهود موافق قول النصارى ، وقول النصارى يوافق قول اليهود . ويقال : يتشابهون في قولهم هذا من تقدم من كفر منهم ، يعني : إنما قالوا اتباعا لهم ، بدليل قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ
. قرأ عاصم يضاهئون بكسر الهاء مع الهمزة ، وهي لغة لبعض العرب ؛ وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة ، وهي اللغة المعروفة . وقال القتبي :
يُضاهِؤُنَ
يعني : يشبهون ، قول من كان في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود والنصارى ، قول أوّليهم الذين كانوا قبلهم .
ثم قال تعالى :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
، يعني : لعنهم اللّه .
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
، يعني : من أين يكذبون بتوحيد اللّه تعالى . ثم قال :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ
، يعني : أهل الصوامع والمتعبدين منهم .
أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
، يعني : اتخذوهم كالأرباب يطيعونهم في معاصي اللّه .
قال الفقيه الزاهد : حدثنا أبو جعفر قال : حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال :
حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا الحسن بن يزيد الكوفي ، عن عبد السلام بن حرب ، عن غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعيد ، عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ من سورة براءة
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
، قال : « أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكن كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلّوا ، وإذا حرّموا عليهم شيئا حرّموا » « 1 » .
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي 4 / 174 إلى ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه والبيهقي في سننه .