شرح
فإذا كان هناك من الأحياء من يكون صالحاً للرجوع إليه وتقليده لا مجال لتعيّن الاجتهادولزوم تحصيل الملكة عليه ، ومع عدمه - والفرض أنّه لا يجوز تقليد الميّت ابتداءً ؛ لقيام الإجماع « 1 » عليه كما سيجيء البحث والتكلّم فيه « 2 » إن شاء اللَّه تعالى - يتعيّن عليه الاجتهاد إذا لم يتمكّن من الاحتياط وإحراز الواقع من هذا الطريق ، كما أنّه مع عدم التمكّن من الاحتياط يتخيّر بين الاجتهاد والتقليد ؛ لعدم ثبوت حكم العقل بلزوم التعلّم ، بل غرضه التعرّض لامتثال التكاليف المعلومة بالإجمال ورعاية موافقتها ؛ سواء كان المكلّف عالماً بها تفصيلًا أو جاهلًا مراجعاً إلى العالم .
فانقدح من ذلك أنّ تعيّن الاجتهاد ولزومه عقلًا إنّما هو فيما إذا انسدّ عليه باب التقليد والاحتياط ، ومن الواضح أنّ اللزوم في هذا المورد ليس لزوماً نفسياً ، بل طريقي مرجعه إلى تنجّز التكاليف المعلومة واستحقاق العقوبة على مخالفتها ، هذا ما هو مقتضى حكم العقل .
وأمّا اللزوم الشرعي ، فيدلّ على أصله ما دلّ على وجوب التعلّم من الأخبار التي سيجيء نقلها والتكلّم فيها إن شاء اللَّه تعالى ، وعلى كونه طريقياً لا نفسيّاً ولا مقدميّاً التأمّل في تلك الأخبار واستظهار الطريقية منها ، وعلى عدم كونه عينياً وضوح استلزام تعيّن الاجتهاد وتحصيل ملكة الاستنباط على كلّ مكلّف للعسر والحرج واختلال النظام ، سيّما في هذه الأعصار التي كثرت مقدّمات الاجتهاد ، وكذا الموانع عن تحقّقها ، مضافاً إلى أدلّة التقليد الدالّة على جواز رجوع العامّي إلى المجتهد ،
هامش
( 1 ) جامع المقاصد : 3 / 491 ، شرح الألفية ، المطبوع ضمن حياة المحقّق الكركي وآثاره : 7 / 253 ، مسالكالأفهام : 3 / 109 ؛ رسائل الشهيد الثاني : 1 / 44 ؛ مستمسك العروة الوثقى : 1 / 22 ، وانظر رسالة في الاجتهاد والتقليد للشيخ الأنصاري ، ضمن مجموعة رسائل : 58 ، ومطارح الأنظار : 2 / 559 - 560 . .
( 2 ) في ص 194 - 211 . .