فإن الإيمان ربما يؤثر في المال كما حقق في محله .
وكيف كان فلعلّ السرّ في اختصاص الحلال الواقعي بهم عليهم السّلام أن أرواحهم المطهرة المقدسة لما كانت طاهرة مطهرة من الأرجاس والأنجاس والشكوك ، فإنه قد طهرهم اللَّه تعالى تطهيرا كما تقدم مرارا ، فلا محالة تقتضي الحكمة والعناية الإلهية أن لا تتلوث حقائقهم الروحية الطاهرة بلوث الحرام ، كما أنه لم تتلوث بلوث المعاصي والشكوك والصفات الرذيلة ، فقدر اللَّه تعالى لهم الرزق الحلال الواقعي ، فإن الرزق الحلال الظاهري وإن كان حلالا بظاهر الشرع إلا أنه ربما يكون غير حلال واقعا ، وما كان كذلك لا يخلو عن حضاضة ودناسة ، فله حينئذ الأثر الوضعي بلحاظ واقعه الحرام .
فاللَّه تعالى طهرهم من هذا الحلال الصوري الموافق تارة للحرام الواقعي تنزيها لهم عليهم السّلام عن التلوث بهذا النحو من الدناسة ، بل لا بد منه لهم عليهم السّلام ذلك لما ثبت في محله من أن الصراط المستقيم والحق المبين والقداسة الواقعية التي هم عليهم السّلام عليها لا يلائم مع أي دناسة ونجاسة ظاهرية ومعنوية ، بل فكما أنها ( أي حقيقتهم ) طاهرة ومقدسة ، فلا بد من أن تكون ملبوساتهم من المأكل والمشرب والمنكح وغيرها أيضا طاهرة طيبة حلالا واقعيا ، فقد طهرهم اللَّه من ذلك كما يومئ إليه ما سمعته في سالف الزمان ولم أذكر مصدره من أن الصادق عليه السّلام قدم إليه بيض مشوي فلما أكله عليه السّلام عرض له حالة الاستفراغ ، فاستفرغ ما أكله وسأل عن ذلك المأكول فتبيّن أنه بيض اختلط مع بيض غير المالك ، فصار فيه بواسطة الاختلاط زيادة في المبادلة ، وتعلق به حق الغير فصار مشتبها بل حراما .
ولأجل ذلك أي لأجل أن الماشي في الصراط المستقيم ، لا بد من كون مأكله حلالا أيضا كسائر ملبوساتهم نرى كثيرا من أهل السير والسلوك الحقيقي يجتهدون مهما أمكنهم في تحصيل الأكل الحلال ، وكذا بالنسبة إلى سائر ملبوساتهم حفظا لسيرهم الواقعي في الصراط المستقيم الواقعي فتأمل ، هذا كله بالنسبة إلى
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 588
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٨٨