أقول : لا ريب في أن بعض الأرزاق يكون محرما على المعصوم عليه السّلام كالصدقة وهي تكون حلالا لغيره من المستحق ، ثم إن الحلال قد يلاحظ بلحاظ ظاهر الشرع كالمال الثابت بالبينة الشرعية ، فإنه حلال في ظاهر الشرع ، وقد يلاحظ بحسب الواقع ونفس الأمر سواء ثبتت حليته بظاهر الشرع أم لا ، كما أن الحلال الظاهر الشرعي قد يطابق الحلال الواقعي وقد لا يطابق .
وكيف كان فالحلال الظاهر الشرعي حلال واقعي شرعي بالعنوان الثانوي ، فهذا مرخص فيه لكافة الناس ، وأما المعصوم فله الحلال الواقعي ، وإليه يشير قوله عليه السّلام : " سألت قوت النبيين ، "
حيث سأل اللَّه تعالى الرزق الحلال .
ثم إنه هل يجوز لغير المعصوم طلب الرزق الحلال الواقعي أم لا ؟ قيل بالثاني ، لأن طلبه طلب رتبة النبيين وهو محرم على غيرهم ، وفيه أنه لا ملازمة بينهما ، فإن الرزق الحلال الواقعي من لوازم تلك الرتبة العالية لا عينها ، وقد يقال بمرجوحية طلبه احتراما لهم بعد ما وسع اللَّه تعالى على غيره ورخص لهم في الرزق الحلال الظاهر الشرعي الواسع وهذا هو الأظهر ، ومما يؤيده أنه لو كان الرزق الحلال الواقعي مختصا بهم عليهم السّلام لما جاز أن يأكله غير المعصوم مع أنه خلاف الواقع قطعا ، فإن ضيوفهم عليهم السّلام قد يأكلون من رزقهم الحلال الواقعي كما لا يخفى ، بل قد يوافق الرزق الحلال الظاهري الشرعي مع الرزق الحلال الواقعي كما لو أصاب أحد السمك من البحر وأكل منه بقدر قوته فتأمل ، اللهم إلا أن يقال : إنه تعالى قد قدّر في علمه وقضائه أن لا يأكل المعصوم إلا من الحلال الواقعي دون غيره بأن لم يقدر لهم وما مثل من السمك فلعله يكون فيه سبب للحرمة خفي علينا فتأمل .
وأما ما قاله المحقق الكاشاني ( رضوان اللَّه تعالى عليه ) من أن للحلال مراتب فلم يعلم له وجه ، فإن الحلال إما واقعي أو ظاهري أي ثابت حليته بحسب الظاهر سواء طابق الحلال الواقعي أم لا ، فلم يتصور له مراتب في أصل الحلية .
نعم ربما يكون للحلال مزايا بحسب البايع أو الغارس من حيث الايمان وعدمه
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 587
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٨٧