يمثل أمر الكسب بحمّال يحمل شيئا ويذهب به ويضع آخر يده تحت الشيء المحمول من غير أن يكون لقوته وقدرته مدخلية في الحمل له والذهاب به ، بل مجرد أن لو لم يحمل الحمّال لحمل هو ، ولكن قد جرت عادة الحمّال بحمله ، فهكذا يقولون : إن الله تعالى أجرى عادته بخلق الفعل مقارنا لقدرتنا وإرادتنا من غير أن يكون لهما مدخلية فيه ، وبهذا الكسب يصححون الثواب والعقاب وغيرهما ، وظاهر أن مجرد المقارنة مع عدم المدخلية والوقوع بمحض إرادة الله تعالى وقدرته جبر محض ، وقد التزمه هو وأصحابه .
وقال القاضي أبو بكر : إن ذات الفعل واقعة بقدرة الله تعالى ، وكون الفعل طاعة كالصلاة ومعصية كالزنا صفات للفعل بقدرة العبد .
وقال إمام الحرمين وأبو الحسين البصري : إن أفعال العباد واقعة بقدرة خلقها الله تعالى في العبد ، فهو تعالى يوجد في العبد القدرة والإرادة ، ثم تلك القدرة والإرادة توجبان وجود المقدور .
وقال أستادهم أبو إسحاق الإسفراني : المؤثر في الفعل مجموع قدرة الله تعالى وقدرة العبد .
وقالت المعتزلة : العبد فاعل مستقل في الإيجاد بلا مدخلية لإرادة الله سبحانه في فعل العبد ، سوى أنه تعالى أوجد العبد وجعله صاحب إرادة مستقلة يفعل ما يشاء ويترك ما يريد ، وهذا أيضا تفويض محض وتشريك في الخالقية .
وفيهم ورد : أن القدرية مجوس هذه الأمة ، والله سبحانه أعز وأجلّ من أن يجرى في ملكه شيء بغير إرادته كما ورد عن النبي صلَّى الله عليه وآله : " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، "
وقد حكي أنه دخل القاضي عبد الجبار دار الصاحب بن عبّاد ، فرأى الأستاذ أبا إسحاق الإسفراني فقال : سبحان من تنزّه عن الفحشاء ، فقال الأستاذ :
سبحان من لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء .
وقال الحكماء والإمامية : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، وهو الحق
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 565
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٦٥